QMP
أقلام

اللغز في ثورة سيد الشهداء (ع)

سيد جواد المهري

عندما نستمع إلى أقوال العلماء والشخصيات وعباقرة التاريخ، نراهم غالباً ما يتعرضون لشجاعة الإمام الحسين عليه السلام وبسالته في مقاومة الأعداء مع قلة العدد والعُدّة، ويجعلون من الحسين رمزاً للحرية والإباء وعدم الخضوع والخنوع للظلم والظالمين في أحلك الظروف وأشقّها، حيث صوّر بدمه الشريف الذي سال على ثرى الطف يوم عاشوراء، أنصع وأرقى وأعظم رسمة رسمها التاريخ للتضحيات في سبيل المبدأ دون منازع.
نحن لا نرد على هذا الأمر بل نقرّه ونعترف به، ولكن هناك لغزٌ آخر في حركة الحسين قلّ من أشار إليه.
إذا كان الكلام في الشجاعة والشهامة وعدم الخضوع للباطل فكل الأئمة عليهم السلام بل وكل الأحرار في العالم يشاركون الحسين في هذا الشأن. فأئمتنا عليهم السلام لم يخضعوا أبداً للظالمين ولم ينحازوا إليهم، وحتى الإمام المجتبى عليه السلام الذي اضطر لقبول الهدنة مع خصمه، كان في نفس اتجاه الحسين سلام الله عليه دون أن يحيد منه قيد أنملة. معنى ذلك أن هناك شيئاً آخر يدعو إلى التفكر في هذه النهضة المباركة.
فلنستمع إلى مولانا الإمام الصادق عليه السلام حين يرسم حركة سيد الشهداء عليه السلام بقوله:
“ وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة “ إذن الأصل هو الله والتقرب إليه. فإن وصل الأمر إلى الله وهو غاية آمال العارفين، فإن التضحية تكون سهلة يسيرة بل حلوة كالعسل.
وفي هذه الجملة الصغيرة للإمام، نرى بوضوح هدف القيام المبارك:
١- التحرر من الجهل والعمى.
٢-الخروج من الضلالة والتحير.
والإمام الحسين لأجل هذين الهدفين، بدأ حركته الخالدة مروراً بكل الصعوبات والمشاق بقلب كبير، وسعي متواصل وفؤاد واثق وتوكل كامل فأصبح الطريق أمامه سهلاً معبّداً ميسوراً.

كل إنسان له حركة وثورة، فإنه يقدم التضحيات في سبيل إنجاح ثورته، ولكن إذا كان الأمر لله فإن الأمر يختلف كله من البدء إلى الختام. ولذلك نرى أن الحسين كلما تكالبت عليه الأعداء وكلما ازدادت المصائب، تنفرج أسارير وجهه كبُرعم ورد ويظهر أكثر شجاعة وقوة. فهل يعي الذين يتحدثون عن الشجاعة والبسالة ماذا تعني هذه الكلمات؟!
وتتلخص في أن الحسين (ع) وضع كل ما يملك في طبق الإخلاص قدمه إلى المعبود دون أن يطلب منه شيئاً إلا رضاه. هنا يكمن اللغز، إنك لا تريد بتضحياتك نعيم الجنة ولا تخشى سعير جهنم، تريده هو ولا غير، ولا تبادل رضاه بكل ما في الوجود من مادة ومعنى. هنا يكمن سمو المعنى في سمو الذات.
هذا ما يشير إليه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله:
“فَهَبْني يا اِلـهى وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ، وَهَبْني (يا اِلـهي) صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ اِلى كَرامَتِكَ “
يمكنني أن أصبر على حر نارك ولكن لا أتمكن من فراقك طرفة عين.
إني للوصول اليك أصرخ صراخ المستصرخين وأبكي بكاء الفاقدين لأنادينّك أخيراً: أي أنت يا ولي المؤمنين.
نعم يمكننا اليوم أن ننظم قصيدة أو نكتب مقالاً نثرياً في وصف سيد الشهداء، ولكن هيهات أن يصل أحدنا إلى ما وصل إليه. فهناك فرق بين القول والفعل، فرقٌ بين من يدعي الحب وبين من لا يرى غير المحبوب.
قد نقرأ في لسان حاله:
”تركت الخلق طراً في هواكا
و أيتمت العيال لكي أراكا
ولو قطعتني في الحب إربا
لما حنّ الفؤاد إلى سواكا”

بما ارتقى هذا الشعر إلى ما يسري في فؤاد الحسين.

وإذا تصفحنا كتب التاريخ نرى أن الناس في الحسين مذاهب:
فمنهم من يشير إلى وفائه في عهده مع بارئه،
ومنهم من يجعله رمزاً للشجاعة وأسوة للإباء،
ومنهم من يجعل منه قدوة للأحرار على مر الزمان والمكان.
ومنهم من ينظر إليه نظرة شهامة ويعتز بزهده وغناه عن الناس، ومنهم من يعده أسوة للعدالة والحق، ومنهم من يسميه قديساً ويتبارك باسمه!
ولكن ما يجعله فوق هذا كله، عبوديته لله وخلوصه في عبوديته. هذا التفاني في المعبود والخلوص في القرب، هو ما يميزه ويجعله فوق تصور الذين يعيشون على كوكب الأرض.
وعندما يحذره بعض الأصحاب ويشير إلى خطورة القيام، يقول دون تأمل:
“ لا والله لا أفارق الطريق الأقوم حتى يقضي الله ما هو قاضٍ”
وحسين العاشق المتفاني في حبيبه يسير بخطى ثابتة في ميدان الجهاد ولا يخشى أي شيء لأنه لا يرى إلا المحبوب والمعبود. وربما كان هذا سر بقائه وخلوده ما دامت الأرض والسماء. وهذا ما يجعلنا نحبّه ونهواه. ومهما أحببناه وأحببنا معبوده، يبقى الفرق بيننا وبينه كالفرق بين النجوم والشمس الوضاءة.
أجل، كلنا نشترك في حب الله ولكن هناك من يمشي الهوينا وهناك من يمشي أسرع من البرق.
هناك من يسير برجليه وهناك من يسير برأسه.
هناك من يراقب الأعداء ويأخذ الحيطة، وهناك من لا يرى إلا وجهه فلا يخشى شيئاً أبداً.
هناك من يسير بمعرفة سطحية وهناك من يسير بمعرفة كاملة.
هناك من يحذر الأعداء وهناك من يخشى إله السماء.
وبهذا وصل الحسين إلى ربه راضياً مرضياً، وبقينا نحن أصحاب المادة زاحفين في أوائل الطريق.

مطعم الأرز المديني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى