بشائر المجتمع

الدكتور الرمضان.. هذه نتيجة توتر الأبوين خلال نوم الطفل الرضيع

رباب حسين النمر: الأحساء

(صراخ الأبوين فيما بينهما في وجود طفل رضيع نائم قد يؤدي إلى خلق توتر لدى الطفل الرضيع) بهذه العبارة لفت الدكتور هشام أحمد الرمضان نظر الآباء والأمهات إلى خطورة جر خلافاتهما إلى محضر الأبناء أو إشراكهم في هذه الخلافات، جاء ذلك في محاضرة تثقيفية ألقاها الرمضان عبر برنامج زوم وقناة الرمضان على يوتيوب يوم أمس، وكان عنوان المحاضرة:(الصحة النفسية أثناء الجائحة وبعدها)

وتمحورت محاضرة الرمضان حول الوضع النفسي للأسرة أثناء الجائحة وما بعدها، لافتاً في المقدمة إلى صحة الأم النفسية، لأنها هي محور الأسرة، وارتباط كثير من تفرعات الصحة النفسية الأسرية بالأم، وارتباطها بالمراحل التي تمر بها، من حمل وولادة ورضاعة وتربية. ففي كل هذه المراحل ستسبب الأم خللا ًنفسياً إذا لم تُعط حقها.

وأشار الرمضان إلى نوعين من الاكتئاب المضر بصحة الأم النفسية، هما (اكتئاب الحمل) و(اكتئاب ما بعد الولادة)، موضحاً أن متاعب الأم أثناء مرحلة الحمل، ومتاعبها في رعاية البيت، ومتاعبها العملية إن كانت موظفة، أو كان في تاريخها العائلي عامل وراثي للاكتئاب، كل هذه الأسباب قد تؤدي بها إلى ما يُسمى بـ (اكتئاب الحمل)،ثم (اكتئاب ما بعد الولادة)، ومشيراً إلى تغير الحالة النفسية للأم حتى لو لم يصبها الاكتئاب مما يؤثر على كل أفراد الأسرة.

ولفت الرمضان إلى أن الأمور في أيام الجائحة
قد تكون أشد صعوبة كوننا نعيش ضغوطاً نفسية من جهات عدة:
العوامل الاقتصادية، والبعد عن الأهل والعلاقات الاجتماعية.

وأشار الرمضان إلى أهمية الرعاية التي تتلقاها الأم في فترة النفاس الصعبة، ونوه إلى صحة التقليد المنتشر في ثقافتنا العربية والمحلية الذي يقتضي بقاء الأم فترة النفاس عند والدتها، تتلقى خلالها رعاية واهتمام والدتها وأخواتها، ويقدمون عنايتهم بالرضيع ولا سيما عندما يكون البكر.

وشدد الرمضان على خطوة تجاهل هذا التقليد بقوله:
“بدأت هذه الظاهرة تضمحل وكأنها مرتبطة فقط بالتراث القديم، فأخذت تكابر بعض الزوجات وتمتنع عن المكوث بمنزل أمها وتعويلها على قدرتها الذاتية في رعاية نفسها”

موضحاً أن حقيقة الأمر لا علاقة له بالاستقلال، ولكن وجود الزوجة خلال هذه الفترة لدى والدتها تتلقى الرعاية والخبرات يسقط عنها عبء كبير: نفسي وجسماني، وإنها إحدى المحطات التي تحتاج فيها الزوجة إلى الرعاية.
كما تمنى أن تؤخذ فترة النفاس والحالة النفسية المرتبطة بها على محمل الجد، بسبب ما تمتليء به العيادات النفسية من الحالات المؤلمة جداً التي تفاقمت بسبب ضغط الأم على نفسها في فترة النفاس، فهي مرهقة جسمانياً وترعى الطفل الرضيع، وربما تكون مسؤولة عن أطفال آخرين، ولديها وظيفة تستلزم حضورها، إضافة إلى الضغوطات الأسرية ومتطلبات الزوج، وقد يتوافر لديها عنصراً وراثياً لقابلية الاكتئاب فتنهار، وما يترتب على ذلك الانهيار من تأثر الأسرة وتوتر أمور رعاية الرضيع، وبقية الأطفال.

ولخص الرمضان أعراض الاكتئاب في:
الشعور بالحزن والبكاء دون سبب، وتعكر مزاج المستمر، والشعور بالندم على الإنجاب، والنفور من الطفل الرضيع والتهيج والغضب عليه، وبين أن تشخيصها بالاكتئاب
يعتمدعلى شدة ومدة وتكرار هذه الأعراض.

وبين أن كل النساء في مرحلة النفاس يشعرن بمثل هذه المشاعر ولكن بدرجات متفاوتة، وليس معنى ذلك أن كل امرأة تجد بعض هذه الأعراض هي مصابة باكتئاب النفاس.
وشدد على أن كل أفراد الأسرة من زوج ووالدة وعمات وخالات مطالبات بالعناية بالمرأة، لأنها إذا لم تكن واعية لنفسها في هذه المرحلة لقلة خبرة أو عدم معرفة قد تقع فريسة هذا المرض، وأشار إلي أنها ربما لا تحتاج إلى علاج مختص بالضرورة، فالعلاج النفسي لا يعتمد على الدواءفقط، فقد يكون غير دوائي، وإن احتاجت للدواء فهو يصب في مصلحتها ومصلحة الأسرة ككل.

ثم انتقل الرمضان إلى الحديث حول صحة الأطفال النفسية التي تبدأ بعد الولادة حيث يجب على الأم الاعتناء بصحته النفسية منذ أيام حياته الأولى، ملاحظاً أن الطفل أثناء الرضاعة دائماً ينظر إلى وجه الأم، فإذا وصل إلى مرحلة الشبع وقمة السعادة والرضا النفسي يمسك إحدى رجليه ويرفع الأخرى وكأنه ضم العالم كله فرحاً وسروراً وغبطة.
وبين أن هذه العلاقة والتماس بين الأم والرضيع هي حجر الأساس لبناء الصحة النفسية. “فلك أن تتخيل لو كانت الأم في مزاج مكتئب،وفي حال توتر ومشاعر ضاغطة فسوف ينعكس ذلك على الرضيع الذي في سنته الأولى لا يحتاج إلى شيء على وجه الكرة الأرضية سوى أمه، فإذا حصل عليها حصل على كل شيء من غذاء وعناية ودفء ولعب . فهو يحتاج إلى أمه كلها.ولذلك فالأم تُستهلك لأن طفلها يحتاج إليها كثيراً”

وحول الصحة النفسية للرجل، أشار الرمضان إلى إن الرجل قد يكتم الرجل معاناته ولا يصرح بها، فيكون كالمرجل الذي يغلي من الداخل، مبيّناً أكثر المشاكل التي
يعاني منها الرجال، وهي:
القلق، والاكتئاب، وضغوطات العمل التي قد تسبب القلق والاكتئاب معاً.
وموضحاً أنه لا يستثنى من ذلك أي عمل، فهناك بعض الأعمال مرهقة نفسياً وجسدياً، وربما بسبب رئيس العمل، أو لعدم الإنصاف أو للمكر من قبل الآخرين، فكل هذه الأسباب تؤدي إلى ضغوطات نفسية لدى الرجل.
ولذا نصح الرمضان الرجال بطلب المساعدة النفسية، وأوضح أنه على مستوى العالم يعد النساء هن الأكثر قبولاً لطلب المساعدة النفسية، ومن المعلوم أن الرجل هو آخر من يدخل العيادة النفسية، فهو لا يقبل على العلاج النفسي، ولكن مع الوعي والتثقيف قد تتغير هذه الحقيقة ولا سيما في بيئات العمل التي توفر رعاية نفسية وتأمين نفسي.
وشدد الرمضان على أنه “ليس بالضرورة أن يكون العلاج دوائياً، فقد انتشرت وتوفرت الجلسات العلاجية النفسية غير الدوائية. ولذلك على من يعاني من ضغوط العمل أن لا يستهين أو يتأخر عن طلب المساعدة، ولا سيما إذا بدأ يشعر باضطراب في النوم وتعكر في المزاج، القلق والتوتر، القولون العصبي، الشد بالأسنان عند الاستيقاظ من النوم، إضافة إلى وجود وسواس قهري أو قلق في تاريخ العائلة، يجب عليه أن يبادر بطلب المساعدة والاعتناء بنفسه بشكل أكبر”

وفي معرض حديث الرمضان ألمح إلى العلاقة الزوجية وأثرها على الصحة النفسية قائلاً:

“هناك دراسات عددها مهول جداً حول مقدار أثر صحة الحياة الزوجية على الصحة النفسية للفرد، فالزوجان اللذان تنشأ بينهما خلافات مستمرة وعالية السقف تكثر ما بينهما الأمراض الجسدية المزمنة، والاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب أو ما شابه، وهذا كله ينعكس على الأطفال إما على شكل توتر أو خلل سلوكي لصعوبة تعبيره لفظياً عن مشاكل والديه”
وأضاف :”حتى لو اضطر الزوجين لبعض الخلافات بين فترة وأخرى لا بد أن يكون الخلاف بعيداً عن الأطفال. لأنها لو حدثت أمامهما ففي ذلك إشكال تربوي وديني وأخلاقي كبير بغض النظر عن أعمار الأطفال حتى لو كانوا في سن الرشد، فخلاف الزوجين أمام أبنائهم مدمر للأطفال، لذلك فإن من الواجب الأخلاقي والتربوي أن يجدا مكاناً منعزلاً ويناقشا خلافاتهما. أما استخدام الأطفال في الخلافات فهذا أسوأ وأكثر مرارة، وهي مدمرة للأسرة.
والجائحة تزيد الطين بلة وتزيد الضغوطات والأعباء النفسية على الأسرة بسبب الضغوطات المادية والعزلة الاجتماعية والتعليم عن بُعد، وضغوط تدريس الأطفال. كل تلك ظروف جديدة أوجدتها الجائحة، ولكن سواء في الجائحة أو ما بعدهت فإن اختلاف الأزواج أمام الأبناء مدمر، ويترك أثراً سلبياً كبيراً”.

وأردف: ” في دراسة لطيفة وجد أن صراخ الأبوين في وجود طفل رضيع نائم قد يؤدي إلى خلق توتر لدى الطفل الرضيع. الرضيع نائم ومع ذلك تأثر.
حتى الحرب الباردة ما بين الزوجين يفهمها الأطفال بسهولة، فالطفل الرضيع في عمر أربعة أشهر يبدأ في قراءة ملامح الوجوه، وفي عمر سبعة أشهر يبدأ بفهم المشاعر المرتسمة على ملامح الوجوه.ولذا فهو يدرك وجود خلاف بين أبويه”

وطرح سؤالاً ، هو:
كيف أحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار النفسي في الحياة الزوجية؟
وأجاب: ” العوامل كثيرة ومتشابكة، من أخطرها
كثرة انتقاد أحد الزوجين للآخر، بحجة التعليم أو التهذيب أو بحجة الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستخدام الدين للانتقاد، والانتقاد مؤذٍ إن كان على حق، فما بالك إذا كانت معظم الانتقادات حمالة ذات أوجه. ولذلك ينبغي التريث في الانتقاد لأنه خطر على الذهن حين يتلفظ به الآخر”
وفي مواجهة الانتقاد يلفت الرمضان إلى خطة علاجية جيدة بقوله:
“إذا كان انتقادك في محله وهو أقرب إلى الصواب، ومنفعته واضحة، يجب أن تقدم لقاء انتقاد واحد خمسة أمور تمدح فيها الطرف الآخر، فلو كان الزوج مثلاً مقصراً في صيانة أمر من الأمور في المنزل فينبغي على الزوجة أن تقدم الزوجة خمسة أمور إيجابية هي معجبة بها وفي السادسة تقدم الانتقاد، والبعض يرى أن يوضع محل الانتقاد في المنتصف بين الإيجابيات” ويبين الرمضان مكمن خطورة الانتقاد بقوله: “لكن الحقيقة أن الانتقاد الكلامي يسبب جرحاً أعمق من جرح السنان، لأن جرح الآلة يبرأ بعد فترة، وجرح الكلام يدوم سنوات تمتد إلى خمسين سنة وأكثر”.

ويعقب: ” الانتقاد مؤذٍ نفسياً إذا صدر من الغريب الذي لا أصادفه سوى مرة في حياتي، فما بالك حين يصدر من القريب الذي تثق فيه.
إن كثرة الانتقاد تعطي رسالة مباشرة للآخر بأني غير معجب بك، فليس بك شيئ أحبه، وهنا مكمن الخطأ ”

واستشهد الرمضان برواية مشهورة عن الإمام الحسن والحسين عليهما السلام حينما رأيا رجلاً كبيراً في السن لا يحسن الوضوء، فاحتكما إليه ليفصل بينهما: أيهما أحسن وضوءاً؟ وكان الغرض من ذلك تعليمه الوضوء بأسلوب مؤدب ولطيف دون جرح مشاعره ودون انتقاد.
ولفت إلى أنه كان بإمكان الحسنين (ع) طرح الحكم الشرعي مباشرة. فلماذا هذه المقدمة ما دام في أمر ديني قطعي الصحة؟
فما بالك إن كان في أمر يحمل أوجهاً كثيرة.
ثم خلص إلى أن الانتقاد يؤدي إلى اختلال الحياة الزوجية والتأثير على صحتهما النفسية وعلى صحة الأطفال الذين
عندما ينشؤون في بيئة فيها انتقاد مستمر يتعلمون هذا السلوك ويتشربون به، ويعتقدون أن هذا هو الصحيح. وأن ما يقال في الانتقاد هو الحقيقة.

ثم نصح الرمضان الشخص الذي لا يستطيع أن يكف نفسه عن التصحيح والانتقاد بأن عليه أن يراجع نفسه، وإن خرج الأمر عن سيطرته فعليه مراجعة مختص، لأن ذلك قد يطوي تحته عدة مشاكل مثل النزعة الزائدة للكمال.

وختم الرمضان محاضرته التثقيفية بتقديم الإرشاد
لمن يحتاج للاستشارة النفسية، بأن يكون المركز الذي سيتوجه إليه مرخّصاً بشكل رسمي، وأن يحمل الشخص المعالج رخصة من هيئة التخصصات، المظلة الرسمية التي تمنح تراخيص مهنية إكلينيكية للممارسين.

وألمح: ” هذا المجال قابل للأسف أن يتدخل فيه من ليس بأهل له، ولذلك تعد الرخصة الرسمية هي الضابط المعوّل عليه والحد الأدنى للضبط، فإن لم يكن لديه ترخيص فالمخاطرة كبيرة”
وأضاف: “لا بد أن يكون العلاج في النور، أي في مكان معروف ومرخص، واسم المعالج معروف” وحذر من اتخاذ وسائل التواصل وسيلة للاستشارات: ” أما وسائل التواصل فليست بمكان آمن يُنصح به،وليس مكاناً مهنياً فقد يستغلها بعض المتطفلين”

وبين أن رسوم العلاج النفسي كرسوم أية عيادة أخرى، وقد يكون مجانياً إذا كان تابعاً لجهة رسمية تقدم خدمات مجانية مثل المستشفيات الحكومية أو المنظمات مثل منظمة الصحة النفسية وهي منظمة سعودية كبيرة تقدم بعض الخدمات.
وهناك من يقدم جلسات (أونلاين) بسبب ظروف الجائحة بالتعاون مع وزارة الصحة وهيئة الصحة وهيئة التعزيز وهيئة التخصصات ”

وأشار إلى أن بعض المستشفيات فيها خدمات متكاملة وعالية وراقية مثل مستشفى أرامكو فبه قسم عملاق ضخم يضم عشرات الأطباء والمعالجين، وبه قسم تنويم مجهز. ويمتاز بسهولة الوصول إليه، ومع بداية الجائحة أُطلق رقم مجاني للصحة النفسية خاص للموظفين بدوام خمسة أيام بالأسبوع، بواقع ثماني ساعات لليوم الواحد، إذا شعر بضغط أو معاناة بسبب الجائحة.
وفي ختام الكلام امتنع الرمضان عن التصريح باسم أي مركز تجاري يُنصح به مكتفياً بما سبقه الإرشاد إليه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى