البلح المجفف (السلوق)

img
أمير الصالح
0 الوسوم:, ,

أمير الصالح

مقدمة:
ماقبل عهد النفط أثبت إنسان هذه المنطقة ابداعاته وفنونه وابتكاراته ليحافظ على كرامته وجذوره وأرضه وواحته، متكيفاً مع المتاح من المواد الرئيسة للبقاء. لم يكن في ذلك الزمان استيراد وتصدير للمواد الغذائية، ولا صناعات ثقيلة مستوردة ولا صناعات تحويلية
، ولكن كان هناك إنسان عامل مجد ومنتج مبدع وفنان خلاق بما يتوافر له من مواد في نطاق بيئته. ورثه أباه ديون تقدر بـ صفر، وتعهد بتوريث أبنائه معدل دين يساوي صفر. نجح الأجداد بالإيفاء بعهودهم فشكر الله سعيهم وأثابهم الله الجنة.

مابعد حياة النفط حيث التدفقات المالية الوفيرة، بعض أبناء الوطن سال لعابهم نحو حياة الدعة والترف والمفاخرة وأحلام الثراء الفاحش بسبب إغراءات ما تعرضه الإعلانات الإغوائية عبر الشاشات الفضية وقصص الثراء الفاحش غير المنطقية في بلدان الواق واق ؛ حتى إنك ترى أولئك الناس يتذمرون ليل نهار على وضعهم المالي، وينقمون على والديهم ويمرغون أنفسهم في التعاسة لكثرة عقد المقارنات بين وضعهم ووضع أهل الثراء!

في المقابل، يقدر بعض الأبناء والديهم على شدة حنانهم، ولمدهم إياهم بالتشجيع والموأزرة والإرشاد المستمر ليكون حال الأبناء أفضل من حال الآباء. والبعض الآخر يحب والديه امتثالا لأمر الله وتعبداً وبراً بهم. فتخرج البعض من أولئك الأبناء الطبيب والمهندس والمعلم والطيار والمحاضر والمدرب والتاجر و المستثمر، فكان ذلك مصداق حقيقي بأن السعي وبذل الجهود لخلق واقع أفضل، واجتياز العقبات حتى مع أصعب الظروف الاقتصادية التي عاشها أبناء ذلك الجيل له ثماره ولو بعد حين. فشكراً لكل الآباء والأمهات الذين بذلوا مهجتهم، وتظافرت جهودهم حتى أنشؤوا جيلا محل اعتزاز وفخر.

نص المقال:

لعل البعض يتساءل: ماهو الرابط بين العنوان والمقدمة؟
العنوان مستوحى من منتج زراعي مشتق من بيئة مسقط رأسي حيث كان الأجداد يبذلون الجهود، ويبتكرون الطرق ويجتهدون في المحاولات المتكررة حتى يحرزوا تقدماً ما على صعيد الصناعات المتاحة (الصناعة الغذائية في هذا المقام) آنذاك حسب المواد الرئيسة المتوافرة ويسجلوا بنجاحهم الكرامة المالية والنفسية والاجتماعية بما تصنعه أيديهم وتبتكره وتتقنه عقولهم. كان وما يزال البلح والتمر والرطب هو الجني وهو الإنتاج الأكثر شهرة في إقليم هجر، ولا سيما واحة مدينة الأحساء وما جاورها قبل عصر ثروة النفط وخلاله. فعلى صعيد الاكتفاء الغذائي آنذاك، اجتهد الأجداد والجدات في عقد عدة تجارب معملية حتى استنبطوا طرق وإجراءات إعداد عدة أطباق غذائية من مواد رئيسة متوافرة مصدرها النخلة. فكانت العصيدة والمعمول والخبز الأحمر وكيك التمر وعصير التمر والممروس والدبس ومخلل الرطب والبلح المجفف (السلوق) أحد تلكم العناوين الصادقة في نجاحاتهم لابتكار منتجات غذائية.

وباستكشاف تجارب في واحات مجاورة، نجد أنه في واحة الخط (القطيف) أبدع الإنسان هنالك ذات الإبداع في إنتاج عدة منتجات غذائية مكونها الرئيس تمور وبلح النخيل. ولعل من أوضح الأمثلة حلو عفوسة وحلو رنجينة والتمرية وغيرها من الأمثلة.

قد يطول بنا المقام في سرد أمثلة عن إبداع إنسان مناطق نمو النخيل في وطننا الحبيب كالمدينة المنورة والقصيم والخرج وغيرها من المناطق حيث صناعة غذائية مشتقة من ثمر النخيل مثل الشعثة والحنيني وغيرها كانت مساعدة في خلق أمن غذائي في حينه. ولكون النخلة رمزاً وطنياً لوطننا الغالي يجب الحفاظ عليها أوردت هذا الأمر بهدف الحث على تأصيل رعاية النخلة وإكرام الفلاحين ودعمهم من كل الأطراف شاملاً المستهلك والمُصنع والمُتاجر والمسؤول.

وكمثال أورده للمقارنة، في دولة إيطاليا، وبالمقارنة مع صناعات غذائية مشتقة من منتجات ثمرة الطماطم ( البندورة) نجد أمور ملفتة في فن ابتكار وتسويق منتجات الطماطم الإيطالي ومشتقاته. فالعصير ومعجون الطماطم و ومعجون خلطات البيتزا بأنواعها المختلفة، والطماطم المجفف
والطماطم المقشور (المعلب) وشوربات الطماطم المحضرة مسبقاً والكاتشب وصلصة المكرونة بأنواعها المختلفة ينم عن دعم صناعة كبيرة من جهات عدة، وخلق مولدات اقتصادية داخل ذات البلاد ناتجة عن فنون توظيف ثمرة منتج زراعي هنالك.

لقد آلمني كما آلم البعض أن هبط سعر المن ( ٢٤٠ كيلو جرام ) من أجود التمور نوعاً لعدة أعوام
متتالية بأقل من ربع قيمته قبل عدة سنوات. فهذا مدعاة للقلق لكون ذاك يجعل الكثير من الفلاحين العاملين في حالة تردد من الاستمرار في استثمارهم الزراعي ولاسيما مع زيادة التكاليف التشغيلية، وزيادة أسعار فواتير المعدات والأسمدة والكهرباء. ولأن السوق عالمياً متجه أكثر للانفتاح التجاري على الاستيراد والتصدير فإن تمور مستوردة من خارج البلاد كدول شمال إفريقيا سيكون لها نصيب في المنافسة داخل السوق المحلي. فضلاً عن أن هناك شعور متزايد بأن أبناء الجيل الحالي أكثر ميلاً و تفضيلاً لتناول الشوكلاتة السويسرية من أن يتناولوا بلح أو تمر محلي حتى مع غلاء سعر الشوكلاتة وعز موسم البلح ! أؤمن بأن أهل الوعي من التجار والمصنعين وأهل المسؤولية الاجتماعية من المستهلكين لهم روح التأثير في التعاضد مع الفلاحين لزيادة الطلب المحلي على البلح والرطب ومنتجات الصناعات التحويلية للتمور. نتطلع لسماع المزيد من إطلاق تسهيلات مالية وحزمات إعفاءات ومنشطات مالية لدعم الفلاحين والمصنعين المحليين في حقول منتجات النخيل ومشتقاتها. ونسأل الله جميعاً أن تدوم النخلة عزيزة في بلادنا، فالنخلة بحق رمز الشموخ والوفاء والعطاء.

اترك رداً