أقلام

التكفير على ضوء المدرسة الشّيعيّة

السيد زكريا الحاجي

– مقدّمة:

١- يُعتبر الكفر من المفاهيم الصّريحة في القرآن والرّوايات، ومن ضروريّات المنظومة الإسلاميّة، وبغضّ النّظر عن الاختلاف الحاصل في مدى انطباقه على بعض المذاهب أو الدّيانات، لكنّه يبقى مفهوم ثابت بلا شكّ، وهو ممّا لا يختلف عليه اثنان من المسلمين، وعدم انطباقه على بعض الطوائف عند بعض الفقهاء، لا يكفي لعلاج المشكلة العالقة في أذهان البعض؛ لأنّه في النّهاية هو يشمل حصّة من البشر، وعليه نحتاج إلى استكشاف فلسفة التكفير؛ لأنّ تعايش الإسلام الشّيعي ليس فقط على مستوى الطوائف الإسلاميّة، بل على الصّعيد البشري.

٢- من الأخطاء المنهجيّة الشّائعة في مثل مبحث التكفير، محاكمة الأدلّة بنتيجة مسبقة، ولعلّه بسبب إسقاطات إعلاميّة مسيّسة لمفهوم التكفير الدّاعشي على باقي المفاهيم التكفيريّة لدى باقي المذاهب الإسلاميّة، ممّا أوجد ذلك حساسيّة مفرطة من هذا المفهوم، وانعكس سلباً على المباحث العلميّة الدّينيّة، ممّا جعل النّتيجة محسومة مسبقاً قبل النّظر في دليلها، وأصبحت النّتيجة هي التي تحكم الدليل، والحال أنّ التنقيح الموضوعي لا يأتي لتحقيق غرض مسبق، وإنّما ينبغي أن ينطلق الباحث فيه مع الدليل وأيّنما أوصله نزّل ركابه، ولكن واقع الكثير من البسطاء لا يخلو من هذا الخلل العميق في المنهج، لأنّهم يحاكمون الأدلّة بالنّتائج المسبقة.

٣- لا يصحّ ربط حُكم التكفير بمزاج الفقيه كما يحلو للبعض فعل ذلك؛ لأنّ الحُكم رهن الدليل الذي يفهمه الفقيه، دون أن يُسقط رغباته وأمانيه الشّخصيّة، والفقيه لا يكون فقيهاً إلا بعد أن يكون قادراً على التجرّد عن العوامل النّفسيّة الشّخصيّة، وعن العوامل التي تؤثّر سلباً على الموضوعيّة.

٤- ما ذكره الفقهاء في بحوثهم لم يكن ردّة فعل، ولا تبرير للآخر المخالف، ولم يعتنوا بالجدل السّياسي والإجتماعي في دراساتهم الإستدلاليّة، وإنّما كانت دراسة موضوعيّة قادهم الدليل إلى تلك النّتائج.

من هنا أجد من الضّروري استعراض المفهوم التكفيري بعنوانه العام، والذي يتضح معه فلسفته، وإذا ما فهمنا كلام الفقهاء بصورة سليمة، فلن نجد فيه أيّ حزازة، وهو يختلف تماماً عن الصّورة المتناولة عادة في الإعلام.

– التكفير على ضوء المدرسة الشّيعيّة، يمكن تقسيمه بلحاظ أحكامه إلى قسمين:

١- التكفير ذو الأحكام الكلاميّة: وهي أحكام ناظرة إلى عالم الآخرة واستحقاقاتها من ثواب وعقاب.

٢- التكفير ذو الأحكام الفقهيّة: وهي أحكام ناظرة إلى عالم الحياة الدّنيا، لتحديد الوظيفة الشّرعيّة للمكلّف، فهي أحكام تنظيميّة مرتبطة بالحياة الاجتماعيّة للمسلم.

تعتقد الإماميّة: بعدم وجود ملازمة بين ترتب الأحكام الفقهيّة للتكفير على مستوى النّشأة الدّنيويّة، وبين ترتب الأحكام الكلاميّة على مستوى النّشأة الأخرويّة، فقد يُحكم فقهاً بكفر أحدهم وتترتب عليه الآثار الدّنيويّة، من قبيل: عدم العدالة، والنّجاسة، وعدم جواز الزّواج.. إلخ، لكنّه قد يكون معذوراً يوم القيامة ولا تترتب عليه الآثار الأخرويّة، من قبيل: استحقاق العقاب؛ ذلك لأنّ لكلّ حكم موازينه واعتباراته الخاصّة:

– التكفير ذو الأحكام الكلاميّة:

الإنسان في مخالفته للأوامر الإلهيّة الواقعيّة، لا يخلو من إحدى حالتين: إمّا أن يكون مقصّراً أو قاصراً، والميزان الاستحقاقي للعقاب الأخروي هو “التقصير” -وليس التشخيص الفقهي في دار الدّنيا-، باعتبار أنّ المدرسة الإثنا عشريّة من المذاهب العدليّة، والتي تربط العدل الإلهي بحكم العقل، كما لهذه الرّؤية لها تجليّاتها في عدّة مواطن رئيسيّة في البحوث العلميّة، فهي تدخل في بلورة قاعدة “قبح العقاب بلا بيان”، أو من يرى قاعدة “حقّ الطاعة” وغيرها في علم الأصول، فمع اختلاف النّظريّات إلا أنّها تدور في حقل العدل الإلهي الذي يدركه العقل البشري، والذي على أساسه كان التمييز بين المقصّر والقاصر.

هذه الضّابطة الكلاميّة هي على مسافة واحدة بين البشريّة بمختلف انتماءاتهم العقديّة، يتساوى فيها المسلم الشّيعي مع غيره من الطوائف الإسلاميّة، والأديان السّماويّة وغيرها اللادينيّة والإلحاديّة.

ولهذا اتفقت كلمة فقهاء الشّيعة على وجوب البحث وتحصيل العلم بأصول الإعتقاد الدّيني؛ وذلك لحكم العقل المستقل بدفع الضّرر المحتمل، أو لشكر المنعم -على تفصيل يُذكر في محلّه-، ولكن وقع الخلاف في طبيعة اليقين نفسه:

الإتجاه الأوّل: ذهب إلى أن طبيعة اليقين لا تتشكّل إلا عن طريق البحث، وعليه يوجب العقل البحث؛ لأنّ أصل اليقين يتوقّف عليه.

الإتجاه الثّاني: ذهب إلى أن طبيعة اليقين تتحقّق حتى بمقدار التقليد المُفضي له، لكن العقل لا يزال يحتمل مخالفة الواقع، ومن ثمّ يوجب العقل البحث من هذه الحيثيّة الإحتماليّة.

فكلّ من الإتجاهين يوجب البحث، وإن اختلفت حيثيّة وجوبه، إلا أنّ الإتجاه الثّاني يكون المخالف المقصّر في عدم البحث آثماً مع حفظ إيمانه، وهو من قبيل مخالفة باقي التكاليف الشّرعيّة -كوجوب الصّلاة والحجّ-، التي لا يتضرّر أصل الإيمان بمخالفتها. وأمّا على الإتجاه الأوّل يتضرّر معه أساس الإيمان، بحيث لا ينعقد بدون البحث؛ لأنّ أصل اليقين لا يمكن أن يتشكّل بدون بحث، وهذا المبنى هو المشهور بينهم -وقد تعرّضتُ في مقال سابق لبيان ذلك في المفاضلة بين “المؤمن المقصّر والملحد الباحث”-.

تنبيه: لا يُتوهّم بأنّ عوام النّاس من المؤمن مقصّرين في اعتقاداتهم الواجب البحث فيها، لأنّهم لم يدرسوا ويبحثوا في الأدلة العلميّة؛ ذلك لأنّ طبيعة الإستدلالات والبراهين المُثبتة لأصول الإعتقاد بما يولّد الإطمئنان واليقين، هي ذات مؤنة خفيفة، لا تتوقف على تلك الصّياغات العلميّة وما فيها من نكات لا يدركها إلا مَن قطع شوطاً في التعليم، بل يكفي في إثباتها مثل بساطة وفطرة ذلك الأعرابي الذي سُئل: بم عرفتَ ربّك؟ فقال: “البَعرة تدلّ على البعير، والأَثر يدلّ على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجاج، أفلا تدلّ على العليّ الخبير!”.

فعادة لا تنشأ التعقيدات البحثيّة إلا من خلال التعرّض للشّبهات، ومن يزجّ نفسه فيها يجب عليه أن يخلّصها من ذلك الشَّرك.

هذا بالإضافة إلى أنّ الكثير من التفاصيل العقائديّة لا يجب البحث فيها، كما أنّه يكفي حصول اليقين بأدلته المُثبتة له بنحو مباشر، دون الحاجة إلى إبطال أدلّة المذاهب والدّيانات الأخرى، إلا بمقدار ما يتوقّف عليه تحصيل اليقين، فاليقين سهل المؤنة بما يرتبط بالمقدار الواجب البحث فيه، وهو متحقّق عادة عند عامة النّاس من خلال الثّقافة العامّة في المجتمع.

– التكفير ذو الأحكام الفقهيّة:

تُنتزع ضوابط هذه الأحكام من النّص الوحياني، وليس للعقل فيها حُكم مستقل -كما في أحكام التكفير الكلامي-؛ لأنّ الأحكام في المقام اعتباريّة مرتبطة بالبُعد التنظيمي لحياة المسلم، فالدّين ناظر إلى مقاصد عُليا يحقّقها من خلال منظومة أحكام شرعيّة مترابطة تدخل في مختلف مجالات حياة المكلّف.

هذه المنظومة الفقهيّة تضع موازين حقوقيّة، وترسم حدود علاقات المكلّف الشّيعي مع باقي نظرائه في الخلق، سواء بما يرتبط بعلاقته الأسريّة الخاصّة أوالإجتماعيّة العامّة، في عباداته ومعاملاته، ويُعتبر البُعد العَقدي أحد المحاور الرّئيسيّة التي يترتب عليها سعة وضيق تلك الحدود، منها علاقته بنظيره الشّيعي، أو السّني، أو الكتابي، أو غيرهم من الكفّار والملحدين، الذين لا بد أن ينقّح الفقيه موضوع كلّ واحد منهم في الكتب الإستدلاليّة، ومن ثمّ ينقّح كلّ حُكم يترتب على كلّ موضوع، وهي لا تخلو من تحدّيات اجتماعيّة بطبيعة الحال، وهو ما يحتاج إلى وقفة مستقلّة.

استطراد: يتعرّض الفقهاء في كتبهم الفقهيّة لتحديد المعنى الكلامي لهويّة الإمامي الشّيعي، والمسلم، والكافر الكتابي وغير الكتابي، والنّاصبي، باعتبارها موضوعات يترتب عليها أحكام فقهيّة، فهي من الموضوعات التي يتداخل فيها علم الكلام وعلم الفقه.

من هنا نفهم: الحُكم على مبدأ أو عقيدة معيّنة بأنّها موجِبة للخلود في النّار، فهذا لا يعني أنّ أتباعها كلّهم بالضّرورة مخلّدون في النّار، فعندما يُطلِق الفقيه وصف الكفر، ويذكر ما يترتب عليه من آثار، فهو يقصد بذلك المبدأ الكفري بما هو منهج ديني، أو بما هو رؤية كونيّة، وأنّ هذه الرّؤية في حدّ نفسها تقود نحو الهلاك وموجِبة للخلود في النّار لبطلانها ومعارضتها للحق، إلا أنّ ترتب الآثار الأخرويّة لهذا المبدأ الكفري فقط على أتباعه المقصّري مع الحقيقة، دون القاصرين منهم.

وليس من شأن الفقيه البحث في أحوال النّاس فيما إذا كانوا مقصّرين أو قاصرين، فالأمر -عادة- لا يعنيه أصلاً، وتشخيص واقع أحوال النّاس، هذا أمره راجع إلى الله تعالى، وعنده تتكشّف الأمور.

وعلى وفق هذا الأساس الكلامي، نفهم مقولة بعض العلماء في توصيف بعض المذاهب الإسلاميّة بـ”مسلمين دنيا وكفّار آخرة”، ذلك بلحاظ المبدأ نفسه وليس بلحاظ المؤمن بالمبدأ، كما أنّه تقسيم المسلمين إلى طوائف إنّما هو من الجنبة الفقهيّة، وأمّا من الجنبة الكلاميّة فالدّين باعتباره يمثّل حقيقة واحدة، فهي موجودة في أحد المذاهب فقط دون الباقي، وبهذا نفهم أيضاً الرّواية القائلة: “إنّ أمتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة منها ناجية، واثنتان وسبعون في النّار”، وليست العبارة السّابقة -مسلمين دنيا وكفّار آخرة- إلا لسان حال هذه الرّواية، وهي تحكي عن الفِرق الضّالة بما هي مبدأ وعقيدة موجِبة لدخول النّار، ولكن -كما ذكرتُ سابقاً- ليس بالضّرورة أتباع تلك الفِرق يدخلون النّار.

الخلاصة: أنا وجاري الشّيعي، وجاري الآخر السّني، والثّالث المسيحي، وكذلك المُلحد، كلّنا في ميزان واحد يوم القيامة، وهو ميزان “القاصر والمقصّر”، والحساب لن يكون على وفق المذهب الواقعي عند الله تعالى، بل على وفق ما يمتلك العبد من حُجيّة يعرضها بين يدي الله تعالى، ولهذا حتى المؤمن الشّيعي الذي لم يبحث في أصول اعتقاداته، وإن وافق اعتقاده الواقع بعد أن انكشف له في يوم القيامة، لا يكون معذوراً حينها، ويُعتبر مقصّراً مستحقاً للعقاب.

ولهذا لو سأل شخص أحد فقهاء الشّيعة وقال: أنا مقتنع بمذهبي ولستُ مقتنعاً بمذهبكم، ولكن مع ذلك أريد أن أخالف قناعتي وألتحق بالتشيّع، سيقول له الفقيه: لا يصحّ الإلتحاق بدون نظر كافٍ يتبلور معه اليقين، ولو كنتَ على يقين في اعتقادك بمذهبك المخالف للتشيّع، فأنت معذور أمام الله تعالى، ونحن إنّما نخطئك في دليلك، ولا نخطئك في انتمائك طالما أنّك تعتقد بسلامته فيما بينك وبين الله، ولكن لنا نحن الشّيعة أحكامنا الشّرعيّة الفقهيّة التنظيميّة، التي ترسم علاقتنا بك بحسب اعتقادك.

ولو كان الحساب الأخرويّ على وفق الدّين والأحكام الواقعيّة، لأصبح بعض فقهاء الشّيعة مستحقين للعقاب أيضاً؛ ذلك لإختلافهم وتباينهم في الاجتهادات، ومن ثمّ نعلم بأنّ رأياً واحداً مطابق للواقع دون غيره، بل لعلّه يكون الجميع غير مطابقين للواقع أيضاً، هذا بالإضافة إلى كون المؤمن المقصّر -الذي حالفه الحظ في مطابقته الواقع- مستحقاً للثّواب، والعالم غير الشّيعي الذي بذل عمره في البحث عن الحقيقة ولكن لظروف معيّنة لم يتوصّل لها، يكون مستحقاً للعقاب، وهو خلاف مقتضى مبدأ العدل الإلهي العقلي، والذي هو أحد أركان المذهب الشّيعي، والله أجلّ من أن يظلم عباده.

المحصّلة: مفهوم التكفير الذي يتعاطى معه الإعلام عادة، هو مفهوم استهلاكي لأغراض سياسيّة، يُمارَس فيه الكثير من التجهيل والخلط بين مفاهيم تكفيريّة لطوائف أخرى، وهو بعيد عن المفهوم الدّيني على وفق المدرسة الشّيعيّة، والتي تخلص نتائجها على وفق العدالة العقليّة، وليس اقتطاع مصطلحات بحثيّة تخصّصيّة وزجّها في الخطاب العام إلا محاولة غير نزيهة، لأنّ مثل اطلاقات الإسلام الظاهري والباطني، هي أدبيّات لتقسيمات يقتضيها البحث العلمي التخصّصي في محلّه، وليست للخطاب العام، إذ أنّ الخطاب العام الوحدويّ الذي يدعو للألفة والتراحم، والذي كان أجدادنا يسمعونه سابقاً من فقهاء زمانهم، وما نسمعه اليوم كذلك من فقهائنا المعاصرين، هو الخطاب المستخلص من البحوث العلميّة الدّينيّة الغير ملوّثة بالخطاب السّياسي العابث.

كما أنّ التعايش لا يَعتبر المصير الأخروي شرطاً فيه، فمن يعيش بيقين لا يعتني بدعاوى الآخرين في عالم ليس لهم يد فيه، لا سيما وتلك الرّؤى الكونيّة التي لا تعتني بالنّظرة الميتافيزيقيّة، وأنا كشيعي لا يهمّني ما يحكم به الآخر في حقي، وبما يرتبط بعالم الآخرة، فيما إذا كنتُ مستحقاً للعقاب في نظرهم أو لا، لأنّنا لن نتشارك اللحد، ويكفي ما أمتلك من أدلة تُفضي إلى سلامة معتقدي -إن شاء الله-، وأمّا ما يهمّني الآن هو التعايش السّلمي فيما بيننا في هذه النّشأة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى