كلمتنا لا كلمتهم

الشيخ عبدالجليل البن سعد

قراءة ونداء حول أحداث الإساءة إلى ساحة النبي ص

لطالما وضع المسلمون في الامتحانات الصعبة تجاه جرافات العقول التي لا تزال تتحرك باتجاه هدم أسقف القيم والمقدسات الإسلامية على رؤوسنا، وليس بعد هدم السقف إلا ندر الأرض وهي العقول ذاتها عندما تلحس بمقولة قبول الرأي والرأي المختلف!!

الغواية الفرنسية:

تمتاز هذه البؤرة الجغرافية بالمساعي التخريبية والأحقاد السوداء على مر التاريخ، ولم يستطع التحضر ان يُحسِنَ من الروحية الفرنسية العامة، وهذا ما يفرض على القادة الأوروبيين أن يعيدوا النظر في جدولتهم للعالم إلى متقدم ومتخلف، وتقسيمهم العوالم إلى العالم الأول والثاني والثالث ليتأكدوا من أن ثمة أسماء نزلت وأخرى صعدت!

إن ما يحدث من انتهاكات لا إنسانية ولا قانونية بحق الديانات والمقدسات في هذه البؤرة الجغرافية الممتازة بالعنف التاريخي، يقود إلى المجهول من الزعزعة الأمنية على المستوى الداخلي والخارجي لفرنسا، ولم يعد هذا مجرد تحليل لخبراء في الشؤون الدينية والسياسية بل أصبح واقعا يصادق عليه الخبر الذي نشر بالأمس من ان فرنسا أعلنت حالة التأهب القصوى للأمن في مختلف مناطق البلاد، كما يقود إلى المجهول من العصبيات الدينية ولعل أول لقطة في مسلسل الرعب الوشيك هو حادثة الطعن أمام كنيسة نوتردام ؟!

اختطاف اللاوعي الجمعي:

لم تكن هذه هي السينفونية الأولى من سينفونيات الوقاحة الفرنسية التي تعزفها على وتر الاستفزاز الديني.. فقد تكررت وتواترت، ولم تكن تصل وتعم بسرعة غالبة إلا في عصر المنصات الاجتماعية مع العالم الافتراضي ومنذ العام 2008 نحن نتلقى الإساءة كل عام وكأن الآخر يريد أن يبرمج عقولنا على هذا الموعد!

ومما يهز الانتباه حديث بعض شبابنا المتحمس (والحماسة مثال لاستبدال موقع تشكيل الفكرة والقوة بمنطق النعومة والتمويع!!) وهو يتساءل لما هذه الجلبة والصراخ ؟

هل نحن نثور للنبي أم لأنفسنا؟؟ إن كنا نثور بسبب الإساءة إلى النبي صلى عليه واله فقط فهي ثائرة لأنفسنا وإلا فكيف ننسى أنهم في الثمانينيات أطلقوا فلما أساءوا فيه لموسى وعيسى؟!

وهذا هو حال من يمسك عدسة النظر بيد مرتعشة فيكتشف الهامش ويفلت من عينيه الوسط فقد فاته أو فوّت أن الإساءة حينما تعزى لمخرج أو تحكى في أحداث سنة قبل ثلاثين سنة فإن بالإمكان أن يمهد للتسامح معها بالقول أنها موقف شخصي ولو تغافلا وتجاوزا إلى ما هو الأصلح في المنظور السياسي والاجتماعي.. وليس الرأي فيما يتكرر ويتواتر لسنوات إلا أن يحسب واحدا من المؤامرات الكبرى!

إن التكرار والإصرار على الإساءة هي منهجية إلحادية شرسة  وربما الكثير لا يتوقع ذلك.. لكن هي الحقيقة التي يمكن أن نفهمها في المقاربة التالية:

عندما ندرس حالة الشباب والشابات الذين انزلقوا في السلوكيات اللاأخلاقية فسنجد أن غالبيتهم من أصول متدينة ومحافظة ولم تكن هناك سابق دعوة لهم إلى هذه الأوحال والمستنقعات، فكل ما تقدمهم هو التكرار والتكثيف لأفلام الاباحة وإعلام الوقاحة وهنا أصبحت عقولهم وأرواحهم في مواجهة القوة الكمية!

وما يحدث اليوم هو أيضا تسلح بالقوة الكمية لكسر أكبر حاجز للدين وهو النبي ص فتأتي النتيجة على مهل اذ سيستسيغ الذوق الإسلامي العام مثل هذه التعديات وبالتالي سيأخذ تساؤلاته وتشكيكاته في الشخصية النبوية من هذه الأفلام والخلفيات الثقافية حول شخصيته العزيزة، وبذلك تتم أخطر عملية وهي اختطاف اللاوعي الجمعي؟!

الاحتواء الفكري:

يمكن أن نطمئن إلى كوننا رابحين فيما لو استطعنا أن ننقل هذه الحرب إلى الجبهة الفكرية فإن الغرب لا يعد الخسارة كبيرة إلا في الخندق الفكري لأنه لا يستجيب لخطاب الحلال والحرام مطلقا، ولا يستجيب لخطاب الحقوق إلا إذا ارتبط الأمر بمصالحه، وأما الخطاب الفكري والفلسفي فهو رأس ماله ربما يلزم بالمجاملة ويضطر للمسايرة على هذه السكة بالخصوص..

يمكننا أن نستذكر حدثين مشابهين:

1  عندما شنت دول أوروبا حملة عنيفة على واقع حقوق الانسان بالمغرب العربي كانت الخطوة المحسوبة والذكية للمك الحسن الثاني إذ أمر بوفد يمثل الواجهة الفكرية والفلسفية لبلاده فذهب الوفد يرأسه الدكتور عبد الله العروي وهو الرجل الذائع الصيت واستطاع ـ فيما يبدو ـ أن يحرج المنطق الأوروبي لأنهم وجدوا أنفسهم أمام من لا يقل عنهم فهما للحقوق الإنسانية!

2 وقبل عقود أيضا حينما كانت بعض الدول الغربية تريد أن تقود العالم بشكل ممنهج لامساحة فيه للكلمة حانت من السيد الخميني التفاتة فخاطب الشرق السوفيتي ـ من قبيل إياك أعني فاسمعي يا جارة ـ بالحوار الفكري فأوفد ثلة من الأعلام والشخصيات المميزة بالفكر والفلسفة يرأسهم الشيخ الجوادي الآملي  وحققوا بذلك حدثا تاريخيا يكذب الصورة النمطية عن المسلمين وفقرهم المزعوم الذي يقعد بهم عن المحاورة والمجاراة العلمية!!

وإني أتساءل أما آن الأوان أن تتوجه الجمعيات والمنظمات الإسلامية العالمية الحبيبة، أو الزعامات الإسلامية الغيورة  لتجبر فرنسا على الطاولة الفكرية في مثل هذا الأمر المتكرر لتحقق بخطوتها هذه مكاسب معنوية كبيرة إذ سيضع الاخر بين أمرين إما الرضوخ والاعتراف بسمو الامة الإسلامية وعقلانيتها أو القبول على الطرف الآخر بالفضيحة؟!

التعبير على المحك:

هذا شعار ولد خارج المقاييس الأخلاقية والروحية التي ندر ما توجد في غير الإسلام فهو الدين الذي ألقى بالقاعدة الذهبية لمعرفة الينبغي واللاينبغي في التعاطي مع الآخر، و وضع الميزان القياسي لما يرغب فيه وما يربأ عنه فقال:””أحبب لأخيك ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لنفسك””.

فالحب للنفس والكره لها جبلة غير قابلة للتلون الثقافي ولا للتغطيات المُسِفّة التي يعكسها مثل هذا الشعار (أعلاه)، وهل هناك أصدق من ان نفرض فرضا تتفق فيه الدول الإسلامية على فتح نافذة تاريخية ضمن مقررات التعليم تتحدث عن الجرائم الوحشية لفرنسا في العالم الإسلامي مع الشامات ومصر والجزائر وغيرها من الدول العربية والإسلامية، وتوثيق متاحف الجماجم التي حصدتها في تعقب وقتل المقاومين لغزوها ولا زالت تحتفظ بها إلى اليوم؟

ترى هل سيكون هذا مرحبا به وبعيدا عن التأثير على العلاقات الدولية والثنائية بين فرنسا وغالبية دول الشرقين الأدنى و المتوسط؟

أدوارنا ومبادراتنا؟

إن هذا الدور الرافض لا يحتمل الاتكالية أبدا فلا يجوز أن يلقي العامي ذلك على العليم ولا الصغير على الكبير فالكل ـ  وهي ميزة العصر ـ قادر على القيام بالصولة وإحداث الجولة عبر الصفحات والحسابات الشبكية ولو بـ(الريتويته) والتعليق..

والأعلى مناسبة للظرف هو:

1 ان نجعل من هذا الأسبوع ـ أسبوع المولد الشريف ـ مميزا عن كل عام.

2 اطلاق فعاليات خاصة كالندوات وقد اطلعت على تحرك بعض البلدان المجاورة على مثل هذه المبادرة.

3 ترشيح كتاب قيم حول شخصية الرسول صلى الله عليه واله ليتفاعل  الشباب مع شخصيته المباركة من خلاله.

فهذه الخطوات ليست لتصعيد الحرب بل هي خطوات ترسخ روح المقاومة السلمية التي تنفع أبدا ولا تضر أحدا!

اترك رداً