ثنائية النقد والشعر

img
د.ناصر النزر
0 الوسوم:, ,

د. ناصر النزر

الشعر أحد الفنون الجميلة التي تضرب على أوتار العاطفة والمخيال أكثر من أي لون آخر.
وقد حاول النقاد منذ القدم، أن يقبضوا على حدٍّ ضابطٍ له فما أفلحوا ولن يفلحوا أبدا، ويبدو أن الإغريق كانوا منذ القدم على وعي بمركزية الخيال والصورة في الشعر فحاولوا أن يوجدوا علاقة بين حدَّي الشعر والرسم، فقالوا :الشعر رسم ناطق. والرسم شعر صامت.
وأما النقاد العرب فيواجهنا ابن وهب في إيجاد تبرير لتسمية الشاعر بهذا المسمى قائلا: وسمي الشاعر شاعرا ؛ لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره.
ولو وجّهنا سؤالا حول هذا التعليل عن الشعور هل هو من الامتيازات التي تفرّد بها الشاعر أم أنّ غيره من غير الشعراء أوبعضهم على الأقل يشتركون معه في هذه الميزة؟
والذي يبدو أن الحيوانات أيضا تشعر وتمارس سلوكا فسيولوجيا للفرح والحزن.. وإن اختلفت دلالته وملامحه عن الإنسان.
ومن هنا نقول إن ابن وهب قدَّم تبريرا أو تعليلا ملتبسا لتسمية الشاعر ؛ لأن مدار الأمر في الشعر على قدرة التعبير اللفظي المؤثر في النصوص العادية ،
والمستشرف للمستقبل في النصوص الرائدة والنصوص المعالم بموسيقى معينة ناظمة.
ومن هنا نقطع بأن المقصود بالشعور الذي ورد عند ابن وهب هو الإحساس والرؤية التي يرى الشاعر بها الأشياء والحياة بعد أن يتشبث في النظر إليها، ثم ينقل إحساسه الشعري المختلف عن الآخرين، أو هو ما يسمى نقديا بالصدق الفني الذي يمنح الشعر الحقيقي حضوره وتأثيره.

أما النقد فهو صوت لنبوءة الأرض وتفسير للجمال وللفواصل والمسافات التى يتخلّى عنها الشاعر أو يدسها تحت أجنحة الأخيلة والصور والمعاني المختبئة والمآلات الثقافية والإشارات المعرفية والوجودية الكبرى، هذا في مستويات النقد الرفيع، وأما في المستوى الأدنى من ذلك فدور الناقد يكمن في التقاط الريش المتساقط من جناح القصيدة لغويا ونحويا وصرفيا وبلاغيا وموسيقيا في النص المدروس، وهذه الوظيفة هي الراسخة عن دور الناقد في ذهن الكثير من المتلقين.
ولاشك أن حصافة الناقد تأخذه للقيام بالمزج بين المستويين في الممارسة النقدية بمرونة عالية ولباقة راقية دون أن يجرح النص أو الناص ومن غير أن يقطف وردة من وجههما.

وتأخذنا هذه المقدمة عن التساؤل الوارد حول قدرة المبدع على مزاوجة الإبداع بممارستين فنيتين حرجتين وهما قدرة الإنسان على أن يكون شاعرا وناقدا في شخص واحد، حيث الذات الناقدة تعيق الذات الشاعرة نفسيا من الانطلاق واختراق سنن الممارسة الشعرية المتواترة أثناء كتابة القصيدة لما تخلّفه عقدة محاسبة نصوص سابقة لشعراء آخرين من الإحساس بمراقبتهم والخوف من مغبة المؤاخذة على مبدأ (وتنسون أنفسكم) فتثني الشاعر عن الإبداع الشعري.
لقد بدأ الحراك (الشقدي) اختصارا ل الشعري/النقدي المزدوج المحايث لجمع وتحليل النصوص في الأحساء على يد الأستاذ عادل الرمل في بداية العقد الثاني من القرن الخامس عشر في كتابه (ظمأ اليراعة) فقد جمع بين الفنين، وهو من الشعراء والنقاد البارعين كنا نعول على ريادتهم، وهو يكاد يغيب عن الساحة لظروف لا أعلمها. ومنهم أيضا الشاعر القدير الأستاذ ناجي الحرز الذي اعتاد تقديم أوراق نقدية على تجارب شعرية شابة في آونة سابقة في منتدى الينابيع الهجرية ، وقد حظيت أول قصيدة كتبتها عام١٤١٤ه موزونة بورقة نقدية منه لم تخل من نقد لاذع.

وهنا أود التعريف بأستاذين رائعين يحمل كلٌّ منهما النقد والشعر في حقيبة شخصية واحدة، أود أن أسلط بعض الضياء على تجربتهما ، وهما اسمان انغمرا في المحلية، لكنهما في الحقيقة يمتلكان طاقة شعرية ونقدية كبيرة تؤهلهما للإضطلاع بممارسة نقدية مانحة للنصوص، خاصة على نصوص كثير من الشعراء الشباب، وأهم ما يميزهما أنهما لايملّان من التحريض على الكتابة الشعرية ومخاتلة النص، واستدراج الناص/الشاعر إلى دائرة الكتابة بما يضيفانه من لطافة ودماثة في معاشرة النصوص، ومفاجأة الشاعر بورقات نقدية جادة على نصه:

الأول /الشاعر والناقد علي المحيسن حاصل على بكالوريوس لغة عربية، وهو طاقة شعرية رائعة، تجد فيه لطافة الطبع، ودماثة الخلق وقدرة أسلوبية رائدة في معاشرة النصوص والإشادة بها، وتوجيه ملاحظاته الفنية والنحوية بلطف واقتدار دون جرح واستحقار للنص أو الناص، فهو ينفذ بلباقة الحاذق لوضع النقاط الحمراء والخضراء وإيجاد البدائل الصحيحة.
على المحيسن إضافة إلى ممارسته النقدية التي دعّمها وأسس لها معرفته الكبرى بقواعد اللغة ولهجات العرب والنحو والصرف وموسيقى الشعر، هو كذلك شاعر قدير يأخذك إلى عالم الشعر الأصيل ومنابعه الصافية بشكل مدهش

الثاني /الشاعر والناقد هاني الحسن حاصل على بكالوريوس لغة إنجليزية ويعمل معلما بإحدى ثانوياتها وهو ناقد حصيف يتمتع بذكاء خارق يؤهله لأن يفهمك قبل أن تتحدث، يمتلك أذنا موسيقية مرهفة، وقد مكّنه شغفه بالموسيقى الشعرية من حمل ربابة العروض وآلاته وبحوره ودوائره ومصطلحاته الكثيرة وعيوب القافية ودهاليزها داخل طبلة أذنه يجعلها بين شحمة أذنه وعاتقه تسير معه أين سار. تعجب كيف تلقَّى هذه المعرفة رغم تخصصه الدراسي المختلف عن اللغة العربية! إنه الميول والشغف يأخذك لمعرفة بواطن ماتحب.
يتميز هاني الحسن بحاسة معرفية وحالة نقدية لا تعرف المجاملة جعلَته حذرا في التعامل مع وجهه الآخر كشاعر.

ناصر النزر

 

اترك رداً