بشائر المجتمع

الشيخ آل سيف: الإمام السجاد أشعل القضية الحسينية بِـ بكاءه وحزنه على أبيه

بشائر: الدمام

تناول سماحة الشيخ فوزي آل سيف الأثر الذي تركه الإمام السجاد في المدينة المنورة، من خلال إحيائه قضية الإمام الحسين وفضيحته لبني أمية في جريمتهم بكربلاء، مشيراً إلى عظمة بكاء الإمام السجاد حتى عُدَّ من البكَّائين الخمسة الذين عدّتهم الروايات على مدار التاريخ، ومن هؤلاء البكَّائين كان الإمام زين العابدين في الجهتين، من جهة البكاء من خشية الله عزَّ وجل، ومن جهة البكاء على مصيبة والده ومن استُشهِد معه في كربلاء، ذاكراً ذلك في الليلة الـ ٢٥ من محرم.

وذكر إنه تاريخياً كانوا يصنفون المناطق بحسب أكثرية ميل سكانها، فمثلاً يقولون أن الشام ودمشق أموية -لا يعرفون غير بني أمية-، ويتحدثون عن البصرة إنها كانت زبيرية الهوى، ويتحدثون عن الكوفة فيقولون إنها علوية الهوى، ويتحدثون عن المدينة إنها ممن يهوى الخليفتين الأول والثاني.

وبين إنه في المدينة لم يكن توجه شيعي في تلك الفترة، ولعل عدم خروج أحد مع الحسين حين خروجه إلى مكة المكرمة في ٢٧ من رجب سنة ٦٠هـ سوى أهله وعائلته، مستشهداً برواية عن الإمام السجاد إنه قال: (ما بمكة والمدينة عشرون ممن يحبنا)، أي أنه لم يكن هناك حتى ٢٠ شخصاً، ممن هو على منهجنا ويوالينا تلك الموالاة القوية وينتهج منهجنا في العقائد والفقه والسياسة وغيرها، فسواء كان هذا العدد دقيق أو لأجل التقليل؛ فإنه يشير إلى أن المدينة لم تكن متعاطفة مع أهل البيت كما ينبغي، مشيراً إلى أن المدينة بعد سنة واحدة أو سنتين من شهادة الإمام الحسين أعلنت الثورة ضد الأمويين، فيما عرفت بواقعة الحرة التي ذكرها التاريخ والتي أظهرت الأثر الذي تركه الإمام زين العابدين والسيدة زينب.

واسترسل ذاكراً أن الإمام السجاد خيّم على بوابة المدينة عدة أيام، والبعض قال ثلاثة أيام، واجتمع إليه الناس وندب من ينعي الحسين داخل المدينة، وكانت الوفود تأتي إليه وتعزيه وهو يخطب فيهم، وينقل التاريخ شيء كثير بأن هذا اليوم كان كيوم مات فيه رسول الله (ص)؛ لشدة ازدحام الناس فيه والإمام يتحدث ويخطب فيهم خطبة مفجعة حول شهادة الإمام الحسين.

ونوه إلى أن الإمام السجاد كان يستفيد ويربط كل مشهد يمكن أن يُربَط بكربلاء، متطرقاً إلى دور العقيلة زينب التي بدأت تعقد المجالس، ويذكر في التاريخ بأنه كان لها مجلس تذكر فيه قضية الحسين وما جرى على النساء بعد ذلك من سبيهن، مضيفاً إنها شكَّلت نوع من التيار العاطفي بين الناس بحيث ينقمون بني أمية على فعلهم، مبيناً الأثر الكبير لمجالس العقيلة زينب إلى الحد التي لم يتحملها والي المدينة آنذاك وهو الأشدق الأموي، فكتب إلى زيد بأن يخرجها من المدينة، وبالفعل صدرت الأوامر لهم، فخرجت في بداية سنة 62 للهجرة، وذهبت على رواية إلى الشام أو إلى مصر، ذاكراً أن بين شهادة الإمام الحسين ورجوع الركب الحسيني إلى المدينة ومن ثم وفاة العقيلة زينب أقل من سنة ونص، وكان سبب إخراج السيدة زينب (ع) من المدينة؛ أنها كانت تتحدث ببلاغة ويتضح ذلك من خلال خطبها حيث كانت خُطبها في الشام والكوفة من أبلغ ما يمكن.

ولفت إلى التعاضد بين كلام الإمام زين العابدين وخطابه، ومع العقيلة زينب ومجالسها، حيث شكلوا أرضية لحركة الناس في المدينة، وأصبح هناك نوع من الغليان والتحرك، وعلى أثر ذلك أراد والي بني أمية في المدينة المنورة الأشدق، وقيل عثمان بن أبي سفيان أن يرسل جماعة إلى الشام ومنهم وفي طليعتهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، الذي كان والده من صحابة رسول الله، وقد سمي بغسيل الملائكة.

وعلل قائلاً: “لأنه عندما كان شاباً في ليلة زفافه نادى منادي رسول الله للجهاد فجراً، ولم يسعه الوقت للإغتسال وخرج إلى القتال في المعركة وهو جُنُب، ولما استُشهِد في القتال نُقِل عن رسول الله أنه قال: (رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء الجنة في صحائف من المزن)، وسمي في ذلك الوقت بحنظلة غسيل الملائكة أو حنظلة الغسيل، وكان إبنه عبد الله أيضاً رجل من الكبار ومن الشخصيات المهمة ولهذا اختاره والي المدينة، من ضمن الأشخاص الذين يذهبون للشام حتى يقوم يزيد بإكرامهم؛ لتتحسن صورة بني أمية لديهم، وبالفعل ذهب عبد الله بن حنظلة إلى الشام”.

وأكمل: “ويقال بأنه ذهب مع أولاده الثمانية ومجموعة أخرى من الناس، ولما وصلوا إلى دمشق احتفى بهم يزيد وأعطى لإبن حنظلة ١٠٠ ألف درهم، وأعطى لكل ولد من أولاده ١٠ آلاف درهم، وأكرم من معهم أيضاً حتى انصرفوا، فلما عادوا إلى المدينة سألوا عبد الله بن حنظلة عن تلك الأموال فقال:وما أخذتها إلا لأستعين بها على حربه، وإلا فإنَّا قد جئنا من رجل يشرب الخمر ويسكر حتى يخرج وقت الصلاة وينادم الفهود والقرود”.

وفصّل إن هؤلاء الناس موجودين في أرجاء المدينة، وقال لهم الإمام الحسين: (بأن يزيد رجل فاسق فاجر ومثلي لا يبايع مثله)، ولكن لم يكن لهذا الكلام التأثير في ذلك الزمن، كما أصبحت بعدما جاء الإمام زين العابدين والعقيلة زينب، وتكلموا عن مصيبة الحسين ومأساته وعن جرائم بني أمية في حق الإمام الحسين.

ولفت إلى أن الأمور بدأت تتحرك وأصبح الكلام عن مظلومية الحسين وارتكاب بنو أمية لهذه الفظائع والفجائع جهراً، ولزوم تغييرهم وإخراجهم من المدينة، مشيراً إلى خلعهم الوالي أولاً وأمروه بالخروج سلماً وإلا لجؤوا للقتال، وأن لا يعينوا من يأتي من جيش يزيد فوافق بنو أمية على هذه الشروط، منوهاً إلى إنهم لا يستطيعون إخراج أهلهم ونساءهم والكبيرات في السن، فوافق أهل المدينة على إبقاء النساء ولكن بشرط أن يبقوا عند الإمام زين العابدين، مستنكراً بتغير موقف مروان بن الحكم الذي أمر الوليد بن عتبة بأن يكَّتِف الحسين عندما خرج من المدينة ويأمره بالبيعة وإلا يضرب عنقه، أما الآن وافق على إبقاء نسائه وعياله تحت رعاية الإمام زين العابدين!.

كما نقل إن قسماً من نساء الأمويين قالت: (أنها لم ترى عزاً كما وجدت عندما كانت تحت رعاية الإمام زين العابدين)، وهذه هي أخلاقيات أهل البيت، فليس من البساطة أن يصبح الإنسان إماماً، فلابد من أن يتخلص من الأحقاد وأن لا تملكه نفسه بل هو الذي يملكها.

وتطرق قائلاً: “بقي هؤلاء النسوة عند الإمام زين العابدين، ولم يذهب كثيراً عند قضية واقعة الحرَّة؛ لأنه يراها غير ناجحة من الناحية العسكرية، وهي أن يزيد جرَّد جيشاَ جراراً من١٠٠٠٠ شخص، وأتى بمسلم بن عقبة المري ويسمى الآن مسرف وبعضهم يقول مجرم بن عقبة، وهو رجل كبير طاعن في السن، وكان مريضاً جداً إلى درجة أنه عندما أحضروه للقتال جاؤوا به في سرير وهو مضطجع، وأمره يزيد بأن يغزو المدينة فإذا تغلب عليهم فإنه يبيحها ثلاثة أيام، والإباحة هي أنه لا يوجد امرأة مصانة ولهم أن يغتصبوها، وإن وجدوا مالاً أعجبهم فلهم أن يأخذوه وإن رأوا رجلاً فلهم أن يقتلوه”.

وأكمل قائلاً: “وبالفعل جاء هذا اللعين مسرف أو مجرم بن عقبة المري، وقد كان مريضاً جداً، ولكنه كان يريد أن يختم أيامه بأسوأ ما يمكن، فجاء ١٠٠٠٠ شخص من الشام، وفي مقابلهم ٣٠٠ مقاتل، فمن الطبيعي أن يتغلبوا عليهم وقتلوهم وصنع ما كان قد قيل له، فأباحوا المدينة ثلاثة أيام، وأدخلوا خيولهم في مسجد رسول الله، وهو مقدس عند جميع المسلمين، وهذا الكلام ليس من مصادر مدرسة الإمامية بل من مصادر مدرسة الخلفاء”.

وأشار إلى أقوال بعض الكاذبين من المدرسة الأخرى: (ولم يلمس زين العابدين بسوء لأنه كان قد كتب إلى يزيد بن معاوية )، مؤكداً على كذبهم؛ لأن الإمام زين العابدين لم يكتب شيئاً ليزيد ولم يباشر أصلاً مع هؤلاء في القتال.

وعلل: “لأنه أولاً ليس في هذا التوجه، فالله سبحانه الذي حفظه في كربلاء بإيجاد عذر له، لكي يواصل مهمة الإمامة لأنه لو كان صالح البدن حينها فسيجب عليه القتال وسيقتل، لكن الله جعله معذوراً من الناحية الشرعية، حتى يستمر خط الإمامة في تبليغ الدين، فكيف يرمي بنفسه في هذه المعركة التي لا يعتقد بأنها معركة منتصرة؟”.

كما أشاد إلى أن أعمال الإمام زين العابدين السابقة، وبكاءه وحزنه وكلامه على القضية الحسينية هي التي جعلت الأجواء مستعرة في وجه الأمويين، مؤكداً إنه جعل المدينة تتهيأ لتستذكر نهضة الحسين، وأن تستعيد بعض الشعارات والكلمات التي أخرجت الحسين، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعدما كانت المدينة لا تتفاعل مع القضية الحسينية ولا مع شعارات الإمام، فنحن عندما ننظر إلى بكاء الإمام زين العابدين وإلى رثائه ونياحته، لافتاً إلى خُطب العقيلة زينب، نجد أن هذه الأعمال تخدم أغراض مختلفة ومتعددة منها إبقاء القضية الحسينية ساخنة، ومنها تعليم الناس بأن هذا الحاكم يزيد هو حاكم باطل وطاغوت.

وختم بذكر فضائل الإمام السجاد الذي كان يُكثر من ذكر الحسين ويتحدث عن مصيبته وقضاياه، ينظر إلى الماء فيبكي ويستعبر ويؤتى إليه بالطعام فيقول: (كيف آكل وقد قُتِل ابن رسول الله جائعاً، أم كيف أشرب وقد ذبح ابن رسول الله عطشاناً ظمآنا)، وظل على هذا الحال إلى الحد الذي خيف عليه من الهلاك.

يذكر أن عدد المولودين الذين لا يُعرَف لهم آباء في السنة الثانية من واقعة الحرة يناهز ١٠٠٠ شخص، وهذا يعني بأن عدد النساء اللاتي اغتُصِبن في ذلك الوقت يقارب ١٥٠٠ إلى ٢٠٠٠ امرأة، والقتلى كانوا بالمئات من صحابة رسول الله ومن أبناء الصحابة وغيرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى