أقلام

ديوان نغماتي بحلته الجديدة للعلامة الشيخ باقر بوخمسين

إبراهيم بوخمسين

عندما تقرأ عنوان ديوان شعر كـ ” ديوان نغماتي ” المكون من مجموعتين، الفجر الأوَّل، والفجر الثاني، للعلاَّمة الشيخ باقر بوخمسين، يتبادر إلى ذهنك معاني كثيرة:
أولها: نفسيَّة الشاعر وما انطوت عليه من مشاعر وسلوكيات وأخلاق وصفات. فإن قرأت قصائده الغزلـيَّـة، وآهاته رأيت ما يعجبك ويبهرك، ويبحر بك بسفن الحب والعشق إلى المعشوق والمحبوب.
ففي قصيدة “حـبٌّ يبعثه الشـُّعور” يقول:
يجن الفكر، فيجن معه العقل، ويجن معه الخيال، ويقف الشاعر حائراً لما غمره من الفرح الذي طغى على تفكيره، فلا يعرف غير النشوة والفرح.
رَبَّـة الـفــنِّ، والخــيالِ الـعـتـيدِ
ابعثي الـفـنَّ ملهماً في نشـيـدي
أنـــتِ آماليَ الـعــذابُ، ووحيٌ … لَحـَّنتْه روحُ الهوى من جـديــدِ
أنــتِ أحلاميَ اللـذيـذاتُ فــيـهِ … بسمةُ الـقـلـبِ، والخيالِ الـمـديـدِ

وإن قرأت قصائده الرثائـيَّـة والتأبـيـنـيَّـة رأيت كيف وصف فيها ووثـَّق صفات المؤبـَّنْ، قال مؤبناً الشيخ علي ابو المكارم:
كانـت رزيـتـًّـك الطُّــوفانَ حـيـن طـما … كلٌّ تراه بـبحر الحزن قـد غَــرِقا

مـضـيتَ في جـنـًّة الفردوسِ ملـتحــفـًا … برَيطةٍ ريـحُـها بالـمسـكِ قد عَبـِقا

رقــدت فــيـها قـريرَ العـيـن في رغَــدٍ … للخُرَّدِ الـعـِيـنِ، والأتـرابِ مُعـتنِقا

وإن قرأت إخوانـيـَّاته وتقاريضه رأيت كم هو حريص على التواصل الاجتماعي وشد الأواصر والمحبة!
جاء في قصيدة “جناح الأثير:
شوقٌ يـدوم مدى الأيَّام، والحِـقـَبِ … بريشة الـوُدِ مسطورًا على الشًُهُـبِ

فأنـتَ للعـين منها صرت ناظرَها … وأنـت للـقـلب مـنه محـور الـقُطُـبِ

أمَّا إذا جئت إلى مدائحه في الولائـيـَّات رأيت فيها معاني العز والأنفة والبطولة،
ففي قصيدة “مثال الوفاء” في أبي الفضل العبَّاس يقول:
ضرب أبو الفضل يوم كربلاء مثال الوفاء للناس، وأعطاهم دروساً في التضحية، والمواساة، والنصيحة.

سل الفلك السَّاري من الزَّمن الفاني … هل الـمـجـد إلاَّ (في مقارع) شُجـعانِ

وهـل رفَّ بـنـد الــعـزِّ إلاَّ لــواحــدٍ … من البدء لم يرضعْ سوى ثدي مُـرَّانِ

كما ثار للحقِّ المضاع الَّذي نـُسِي … أبو الفضل، والإفضال، والمجد، والشـَّانِ

هذه لمحات سريعة وقليلة من عالمٍ وعلًّامة، أديب شغل ساحات النجف بأدبه وفكره في أربعينيات وخمسينات القرن الماضي، وقاضي قضى عقدين ونصفـاً من الزمن في خدمة مجتمعه، وشاعر مجيد تفـنـَّن في أغراض الشعر وبحوره. إنه العلامة الشيخ باقر بن آية الله الشيخ موسى بوخمسين.

ثانيها: عنوان ” الدِّيوان ” فإنَّ أوَّل ما يلفت فيه هو عنوانه وحسن اختياره له ولقد وفـِّق شاعرنا ” الهجري ” أيـَّما توفيق في اختيار عنوان ديوانه هذا، وقديمًا قال الشاعر العربي:
ضمائر قلبِ المرءِ تبدو بوجهِهِ … ويخبرُ عـنوانُ الكتابِ بما فِـيهِ
وقال آخر:
كما لاحَ عـنـوانُ مَــبـــرُوزةٍ … يــلــوحُ مـع الـكــفِ عُـنـوانـُـها

إنَّ النـَّغـمات عندما تتناغم مع بزوغ الفجر، تعطيك ايحاءً بيوم جميل وسعيد، فزغردات الطيور والبلابل مع بزوغ الفجر حيث الهدوء المخـّيم على المكان والهواء العليل يشعرك بالراحة والفرح، فشاعرنا حينما اختار عنوانه هذا أراد أن يوحي لنا بأنَّ ديوانه سيدخل السرور على القراء، وهذا ما سنلمسه من قصائده الرقيقة.
ولـ (نغماتي) معانِ راقية: فالنغم هو التكلم بهدوء والكلام الخفي، ومن معانيه الطرب، وهنا الطرب بالشعر والتغـنـِّي بمعانيه والتفـنـُّن فيه، وما اختيار عنوان ديوانه باسم نغماتي وهو صاحب العمَّة والجبَّة إلا ليوحي الينا بأنَّ الإنسان يضلُّ هو الإنسان مهما تجلبب، وأنَّ المشاعر هي المشاعر ليست محتكرة على أحد، وكم قرأنا شعرًا لعلماء ومجتهدين تغـنـَّوا بالخمرة وهم لم يعاقروها أبدًا! نعم إنـَّها خمرة العشق والذوبان في المعشوق غير المتناهي، كيف وقد قال سيـِّد الأنام وسيد البلغاء وأفضل من نطق بلغة الضادّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : “إنَّ من البيانِ لسحرًا، و إنَّ من الشِّعرِ لحِكمةً ً”!
وفي معنى الفجر: هو الشروق وبداية النشاط، وهو البياض وهو النور وهو رمز الطيبة والخلق الرفيع، ومن معانيه تفجـُّر المعاني والكلمات، فهل قصد شيخنا الشاعر كل هذه المعاني حينما اختار هذه الاسم لديوانه؟
إنَّ لمحة خاطفة لهذا الديوان ستوحي اليك بكل هذه المعاني وأكثر، وفي معنى الفجر الأوَّل والفجر الثاني تجدُّد للحياة وللمعاني وللكلمات وللآهات وللأشواق….
إلى جانب تلك المعاني معانٍ أخرى نتركها، لكي يستشفـُّها القارئ حينما يتلـذذ بقراءة هذا الديوان.
وجاء هذا الديوان في 363 صفحة، مبوبا في مجموعة من النغمات وفي كل باب مجموعة من القصائد بلغت في مجموعها “72 ” قصيدة، غير ما جاء من القصائد في الباب الأخير ” القول الفصل” وجاءت كالتالي:
باب نغمة الولاء
باب نغمة التهاني
باب نغمة الإخاء
باب نغمة المراثي
باب نغمات متفرقة
وباب أخير بإسم: القول الفصل ” محكمة شعرية ”
إنَّ لجنة إحياء تراث الشيخ باقر بوخمسين سعت إلى إخراج هذا الديوان في حلـَّته الجديدة، من حيث التبويب والعناوين ووضع القصائد كل في غرضها، وذلك بتحقيق وتدقيق وإخراج الشاعر الجميل حسن مبارك الربيح، وسماحة الشيخ عبدالله بن العلامة الشيخ حسن بوخمسين. وسيرى القارئ من مقدمة المحققين كم هو الجهد الذي بذل في ترتيب القصائد وتبويبها وعنونة القصائد التي ليس لها عنوان والبحث عن مناسباتها وترجمة الشخصيات الواردة فيها، إضافة إلى وزن بعض الأبيات قدر الإمكان بما لا يخل بالمعنى والإشارة إلى القصائد التي لا سبيل إلى إكمالها أو إصلاحها. كما ستلاحظ ذلك الجهد الذي بـُذِل في البحث عن مصادر التحقيق.
كذلك تشكر اللجنة الشاعر الكبير جاسم الصحيح الذي تفـضَّل مشكوراً بتقديم جميل قرأ فيه ديوان الهجري قراءة مستفيضة سنترك الإفادة فيها لتستمتع بها.
كما ننوه بأن اللجنة قد حصلت على الترخيص اللازم من وزارة الإعلام لطبع هذا الديوان، وجاري التنسيق لطبعه قريبا.
إنَّ اللجنة تزف البشرى لعشَّاق الأدب والشعر بإخراج وطبع هذا الديوان في ثوبه الجديد تحت معيـَّة حفيد العلامة الشيخ باقر ” الشيخ عبدالله بن الشيخ حسن بوخمسين “.
كذلك ترجو اللجنة كل من يحتفظ بقصيدة أو مقطوعة، أو يقع على أي أبيات شعرية في مصادرأخرى لسماحة العلامة الشيخ باقر بوخمسين لم تثبت في هذا الديوان تزويد اللجنة بها مشكوراً، ليتم إضافتها للديوان في طبعة قادمة، وتسليمها إمَّا شخصياً أو عبر أحد العنوانين:
– ابراهيم سلمان بوخمسين: اضغط هنا
– الشيخ عبدالله الشيخ حسن بوخمسين: اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى