الشاعر الجميل و(أميرة الحُـب)

img
إبراهيم بوخمسين
0 الوسوم:, ,

إبراهيم بوخمسين

نعم هي كلمات الحب التي تتفجر من ديوان ” أميرة الحب ” مقرونة بالشمس والقمر والنجوم والغيوم والفجر والإشراق. لم تكن ” أميرة الحب” رسالته الأولى بل سبقتها رسائل حب أخرى شبيهة، مثل ” إلى حبيبتي الأحساء” و”واحة من الحب ” هكذا هو شاعرنا يعنون دواوينه بالحب موزعاً مشاعره بين أحبته وأوطانه. ومن منا لم يتغنى بموطنه ولا سيما إذا كان هذا الموطن كالأحساء، هذه الواحة الغناء الغنية بنخيلها وأشجارها وعيونها، كما هي غنية بشعرائها وأدباءها ورجالها.
قراءتنا هذه المرة ستكون لديوان ” أميرة الحب ” للشاعر الجميل ذي القامة الفارهة والقوام الممشوق والقد المنتصب، شاعر الحب الأستاذ عبدالله محمد بوخمسين.

إن أي قارئ لديوان ” أميرة الحب ” أول ما يلحظ كلمات الحب المتناثرة بين قصائد الديوان التي حملتها أجنحة أشعة الشمس ونور القمر، والنجوم والغيوم والسحاب والأثير والرياح إلى قارئها، والتي هي في الواقع علاج للهموم والاكتئاب النفسي. إضافة إلى ذلك الغزل العذري تارة والصارخ تارة أخرى، والخمرة المباحة خمرة العشق والذوبان في المحبوب المموسقة باللمى وريق المحبوب. فكم من شاربٍ ومحتسٍ لها جن كمجنون العامرية ليلي ” قيس بن الملوح ” ومجنون لبنى ” قيس بن ذريح ” ومجنون عبلة ” عنترة بن شداد” ومجنون
جوليت “روميو “. إن الترنم بالغزل الصارخ ليس دليلاً على سواد القلب وفساده وخبثه، بل ربما يكون دليلاً على بياض القلب وحسن السريرة. وكم رأينا غزلاً صارخاً لشعراء كبار تشهد لهم الساحة بالصلاح والتقى.
أنا لست ناقداً ولا شاعراً ولكنني أحببت الشعر صغيراً وشاب في حبه صدغاي كبيراً، وصار فيه ولهي وشوقي وصبابتي، كما الوسنان أسكره الشراب، فأحببت بتجوالي في دوحة ” أميرة الحب ” أن أقطف بعض الورود من هنا وهناك لعل أن يسلو بها قلب شاب عاشق ولهان، وتترنم بها صبية ولهى، وتميس بها غيداء عاشقة ذات صبابة.
لقد جرت عدة قراءات لهذا الديوان، ولكن قراءتي ستكون من زاوية أخرى في خمسة محاور سنتطرق إليها في بحثنا هذا.
ولكن قبل هذا دعوني أشير إلى شيء خلال قراءتس وإحصائي لعدد كلمات الحب سواءً كانت فعلاً أو اسما أو صفة، والتي لا تكاد صيدة تخلو منها، وكذلك مفردات الطبيعة كالشمس والقمر والسحاب والمطر وغيرها جاءت بنفس العدد وهو “158 ” مفردة. حقاً إنه من حسن الصدف ومثاراً للدهشة أن تأتي هذه الصور بنفس العدد، فكأن الطبيعة تقول لنا بقدر ما تحبوني، أحبكم وأعطيكم، فهل أراد شاعرنا الجميل هذا المعنى أم لا، فهذا في قلب الشاعر كما يقول المثل. طبعاً هناك كلمات مرادفة لكلمة الحب لم نحصيها وهي كالشوق والحنين والوله وغيرها كثير. أيضا هناك ملاحظة أخرى لفتت انتباهي، هي اشتداد وتيرة الحب والشوق في قصائد الديوان، فلو تخيلنا رسماً بيانياً لها لرأيناها في قمة قوس الصعود في قصيدة ” سقوط المطر ” حيث تكررت “24” مرة وهي من طلائع القصائد في الديوان. بينما نرى مفردات الطبيعة جاءت في قمة قوس الصعود في قصيدة ” تاه الخريف ” حيث تكررت “16” مرة وهي من قصائد مؤخرة الديوان. فكأنه أراد أن يفتح بالحب لتطير بها أجنحة الطبيعة في نهاية الديوان.
من يقرأ الديوان يجده مفعماً بعبارات الحب مشبعاً بعبارات الوجد والشوق، قد أفرغ فيه شاعرنا أرَقَّ أحاسيسه ومشاعره اللاهبة والمحرقة حتى يخيل إليك حينما يصف أميرته أنها ماثلة بين يديك بجمال روحها وجميل منظرها.
كما أننا نشير إلى أن هناك نكتاً كثيرة يمكن لكل قارئ ومحلل أن يلاحظها في هذا الديوان الجميل.
وكما ذكرنا أعلاه جاءت قراءتنا في خمسةِ محاور وإلا فالمحاور كثيرة:

– المحور الأول الغزل العذري:
فمن قصيدة ” لمْ تعلمي “:
ولقد مررتُ عليك نجماً ساطعاً… لم تـعـلـمي أني مـررتُ عــلــيـكِ
إني رأيــتـُـك عسجـداً يا مقلتي … والشمسُ غارتْ من سنى فوديك
مـتـشوقٌ أحـضانك كي تـدفئي … مــن لــمــسةٍ قــلــباً يــحـنُّ إلـيك

لاحظوا عبارات الطبيعة ” نجما – والشمس ” وهل هناك نوراً أزهى وأجمل منهما. لكن شاعرنا يرى نور فود أميرته يشع أكثر.
وفي قصيدة ” من دون حبك ” نراه يترجم جنونه بهذه العبارات الرقراقة:
وبأنك الماءُ الذي يهب الحياة
بأنك … يا حبي المجنون
بلسمُ أدمعي
في كل أوقاتي العصيبة
أنت لي
في الذاريات العاصفاتْ
إن تهجريني ساعةً
أو برهـة
أو لحظة
لن تعلمي.

لا حظوا هنا أيضا كلمات الحب مموسقة بعبارات الطبيعة.
وفي قصيدة ” وأصب خمري”
فوجدتُ فيكِ حماسةً وهاجةً… وبدعوةٍ
كي نلتقي
لأصب خمري
بين نهديك
اللذان ترنحا من لثميَ المجنونِ
في وقت الجنون…
وفي قصيدة ” آية العشق” وقد أجاد في الوصف والتضمين بآي الكتاب كما في عنوان القصيدة:
إني قرأتـُــك آيـةً في مصْحفٍ … فــتــلوتـُـها حتى تقرَّ عيوني
عـيناكِ سـاحرتان في نجواهما … قـد ذاب قـلـبي فيهما وأنيني
شـفـتـاكِ رسمٌ متـقـنٌ متراقصٌ … أنـغـامهُ وهـجٌ مع الـتـلحـين
إلى أن يقول وما أحلاه من بيت:
أنـت الـنساء وكـلهـنَّ أمـيرتي … وأمـيرتي أنـت الـتي تسْبيني

انظروا كيف اختزل كل النساء في أميرته وهي لا غيرها تغويه.
ومن دوحة الغزل الصارخ نقـتـطف هذه الوريقات:
من قصيدة ” حدائق الخُـلد..”
نـهــداك كأسـي الـذي دوماً أقــبــلـه … وأحتسيه إذا ما الليل ينتصف
هيا اسكبي من رحيقِ الثغر عسجدَه … لـعلـه ساكبٌ خمراً ولا ينزف
نــهـداك والكـأسُ إن جــنَّ الـظــلامُ … عــلـيـنا ســـــوف أنـــحــــرف
مـيلي إليَّ بـخـصرٍ يـحـتوي شغفي … كيْ أرتوي من شـفاهٍ كلها لهف
ومن هذا الباب أيضاً من قصيدة ” رشفتُ من شفـتَـيْـك ”
شــفـتـاكِ مـرسـومـــان مــن أرجٍ … من العـبـير من الـريحان تـُـمْـتـطَـر
رشفتُ من شفتيكِ الخمْرَ وابتردتْ … آهاتُ قلبي.. ومن آهاتِك اسْتعـروا
ومـنهـما كان عـشقاً فـيك يُرقصُكِ … يـهـز ردفـيـكِ والألــحـان تـفـتخـر
ونختم هذه الفقرة بهذه الأبيات من قصيدة ” رحيقُهما الخمر.. ”
ومن شـفـتـيكِ رحـيــقُ حـيـاتي … وثــغـرُك قــبـرٌ لـوقـــتِ وفـاتي
رحـــيــقــاً سأرشــفُـــهُ كــلَّـــما … عــطـشتُ لأروي غـلـيل مواتي
وصـــدْرُك واحـــةُ حــبٍ بــهــا … ورودٌ سـأقــطـفُ منها هِــباتي
ونــهــداكِ لـحـدي إذا ما حـييتُ … وبـيــنـهـما سـتـكــونُ صـلاتي
وما استعارة القبر واللحد هنا إلا ليدلل على ذوبانه في أميرته المدللة.

المحور الثاني: الحب التتري:
لفتت انتباهي هذه القصيدة ” أقرأ فيك.. ” روي القصيدة وحسن “قافيتها”، سلاستها، بساطتها ورجعتني بذاكرتي إلى القصيدة التترية لابن منير الطرابلسي في غلام له اسمه تتر قد أرسله إلى الشريف الرضي فحبسه عنده، وهذه بعض أبياتها:
عـذبت طـــــرفي بالسهـــــر … وأذبـــــت قلبـــــي بالفــــكـر
ومـزجــــت صفـــــو مودتي … من بعـــــد بعـــــدك بالــكدر
ومنحـــــت جثــماني الضنى … وكحـلت جـفـــــني بالســهــر
لئـــــن الـشـريف الموسـوي … ابـــــن الـشـريف أبي مـضـر
أبـــــدى الجــــحود ولـم يرد … إلـــــي مـملـــــوكـــي تـــتــر
أما تترية أميرة شاعرنا فهي من ” أقرأ فيك..”:
أميرةُ أنـت الحـياة الـتي … تُـراقص قـلبيَ وقـتَ الضـجـر
وتـمحو الهـمومَ وأثـقاله … وتـجلو من الـنفس كلَّ الـكــدر
وتعزف كلَّ اللحون التي … تُدلل في الحسن حُسن الصور
وترمقني بلـحاظ الهوى … وتـسْــطو بقـلـبٍ رقـيــقٍ أغـرْ
فـؤادُ أمـيرةُ لي مـسكـناً … وسُكـنى أمـيـرةُ عـيـنٌ تـُــقــر
أضـمكِ قــلباً وألثم فاك … وأقــرأ فــيك جـمــيلَ الــسـور

– المحور الثالث: الحب في أسلوب جديد في قصيدة ” الفاتنة “:
لم يسبق لي أن رأيت هذا الأسلوب من الغزل إلا في كتاب مخطوط للعلامة الشيخ باقر بوخمسين وجاري تحقيقه للطباعة وهو بعنوان ” نظرات في الكتب والصحف ” في خاطرة وعنوانها ” إليها ” بحيث أن يأتي بوصف لمحبوبته ومن ثم يستوحي أبيات شعر من ذلك الوصف. ولئن صادف أن يكون شاعرنا قد جرى على ما جرى عليه علامتنا الشيخ باقر وذلك لأنه يغترف من الفكر والينبوع نفسه، فدعونا نذكر نموذجاً من القصيدتين:
” إليها “:
“إلى التي ألهمتني فخلقت منّي نفسًا تُغَرِّدُ مع البلبل عند الصباح، وتطرب للجدول في هديره، إلى التي لا أعرف الوجود والسعادة إلاّ في عينيها.
غَرَّدَ البُلبُلُ فوق الغصن طرباً، ونشر جناحيه سروراً فها هو وادعٌ يعبر من غصن إلى غصن، وينتقل بين الفُلِّ والياسمين وادعاً مطمئناً، وذي طيور الحقل وشحارير الرُّبى تردّد لحنه الجميل.
فمن لحنك الجميل أنشديني
وإذا ما غبت عنك فاذكريني

والجدير بالذكر أني اوردت هذه المقطوعة كاملة في كتاب العلامة الهجري الذي سيطبع قريبا.
أما شاعرنا الجميل عبدالله بوخمسين فقال في ” الفاتنة “:
لما مررتُ على تلك الفاتنةِ الممشوقةِ القوام وهي واقفةٌ على شاطىء البحر ذي المياه الصافية بأمواجه الموسيقية الهادئة، شدَّني جمالها الملتهبُ كموقد جمْر، كانت واقفة بغنج ودلال..
وإنــما أنــت الجـمالُ الــذي … به تـغـنى الشاعـر الأعـذبُ
وعازفُ الــناي على ربـوةِ … وقاطـفُ الكـرمة والُـمطرب
وفي بعض مقاطعها:
ما تزال تلك الفاتنةُ على شاطئ البحر الهادئ، إذْ كان النسيم عليلاً رائقاً يُداعبُ خصلات شعرها الأسود المتدلي على كتفيها، كانت سارحة حينما كانت ترمق البحر، ربما تذكرتْ عشيقها… ربما تغازل البحر ولا أظن أن البحر هو من يغازلها… أثناء تلصصي عليها قلتُ:
والشَّـعــرُ نـجمٌ بلا لـيلٍ ولا قـمر … سـوادُهُ ألْــيَـلٌ والعـين تكـْـتـحل
عُيـونك الـنـُّجْل ترمـيني أشعـتُها … تسْطو بقلبي الذي منها سيشْتعل.

المحور الرابع: الحب الرثائي:
إن شاعرنا المرهف الأحاسيس لا ينسى صحبة الرفاق، أو رموز المجتمع، فما إن فارق أحدهم الحياة إلا وجاشت عواطفه بأحرِ الآهات ولوعة الفراق:
وله في قصيدة ” ويراعٌ يشدو ” في شيخ المؤرخين ” الحاج جواد بن حسين الرمضان”:
أيـها الـموتُ رفــقـاً فإن الـمـوت … يــغــفــو في حـالة الـنـسْـــيــان
أنــسيتْ الحـياةَ التي تـنبـضُ منه … وهــو كالطود شامــخ البُـنــيان
فـمـدادُ الـيــراعِ ما جـفَّ مــنـْه … لا ولا دمـــعُ حــبـره الــهـــتـَّان
كـرمٌ والســخــاء صـنــوُ جــوادٍ … ما لغير الجواد في الـجود ثاني
ومن قصيدة رثائية أخرى بعنوان ” تذكَّرتُ وجهاً ” في رثاء عزيزٍ وصديقٍ له وهو الأستاذ محمد جواد البخـيـتان:
تذكرتُ وجهاً صبوحاً
يلوحُ بريقاً
ونوراً بهياً
ويُرسلُ نورَ الحياة
تذكرت جلسة بين النخيلِ
شباباً وشيباً
ونحن نقٌصُّ الأقاصيصْ
كأنا.. سنعْرف سرَّ الوجود
وكنه الإله
محمد جواد
أأبكي عليْك … فلا لنْ يكون البكاءْ
ولا لنْ تسحَّ الدموع
لأني
سأوقد تـلْـك الشموع
ثلاثون شمعة.

– المحور الخامس الحب والوطنية:
لا ينسى شاعرنا حبه للأوطان فالعروبة تجري في دمه، فقديماً قال الشاعر:
بلادُ الـعُـربِ أوطاني … من الشَّــام لبـغــداد
ومن نجدٍ إلى يمنٍ … إلى مِــصـرً فــتــطوانِ
وأما شاعرنا المحب لأوطانه فقال في قصيدته ” منْ ماء دجله “:
منْ ماء دجلة قد سكرتُ بأدمعي … ومـزجـتُــها ماء الفراتِ المـمرع
أوقــدتـُه ناراً ليَـغـْــلي مـــثــلــما … روحي وقلبي والفؤادُ ومضجعي
إنَّ الــعـراقَ يـنـوحُ بـعـد ثـُـمالةٍ … قد أسْعرتـني حين كُـنت بمهجعي
إلى أن يقول:
لم الــعــراقُ كــلـيـلـةٌ تـجـتــرُّ … أحــقــادَ الطـغـاةِ ووقــدةَ المتــلوِّع
آه عليك يا عـراق وإلى متى؟ … لا تــصرخــين لجــائـرٍ مُـتــقـــذِّع
ما ذا أقــولْ.. أحُّـبُّــك..نــعــمٌ … قلــبي يُــحــبك والعــيــون الهـــمَّع
إن التجوال في هذه الدوحة الشعرية جميلة وشيقة وهناك الكثير من الجمال حينما تتنقل بين اشجار قصائدها، وقد يقيض لها شخصاً آخر يستخرج الكثير من لآلِـئـها التي تتكون من ” 53 ” قصيدة.

اترك رداً