مصباح الحوزة وفتى أحلامها

img

الشيخ عبد الجليل البن سعد

تعيش كل أمٍ قبل أن يملأ القدر الإلهي حجرها بجنين أحلامها فراغا لا تشعر معه بحنان ولا افتتان بالولد إلا شيئا من تباريح الشوق للأمومة، ولكن بعد أن يرفرف بيديه ويفحص برجليه فوق حجرها وتتبرمج معها أحاسيسها فإنها لا تحتمل وداعه لها فجأة من على متن قطار الموت، ومن غير المتوقع حينذاك أن تعود إلى ماضيها وطبيعة الفراغ السكوني الذي كانت عليه، بل سترجف بها الأحزان وتعصف بها أعاصير البؤس، وما ذاك إلا لأنها تلقّت وليدها بكفي الروح لا بالسواعد، و ضمته في أحشاء القلب لا إلى الصدر، و ناغته بالخيال الذي يرسم لوحات المستقبل لا بالأنغام وترانيم الأمومة..
هو هذا المثال الذي يقدم صورة تضمنية عن واقع الحوزة العلمية الدينية عندما تحتضن فتى من فتيان أحلامها، وأعني بهم الأعلام الذين جسّدو البنوة الشفافة مع الحوزة الأم، فتوكلوا عنها في انفاذ رغباتها و تخطيط مساراتها الطويلة التي تصلها بأهدافها المستقبلية، ثم تصاب بفقدهم فجأة، وهو هذا التفسير المستوحى من قوله صلى الله عليه واله:””إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء””[1].

ودعوني أقول: إن أعلام الحوزة الذين يعدون في شجرة أنسابها على مَـرّ الزمن، هم بين منفعل تطوّره الحوزة و تزيد في تكوينه، وبين فاعل تغدو الحوزة منفعلة به ينتقل بها من عهد علمي وعملي إلى عهد آخر جديد!
فأعضاء هذا الكيان العلمي والديني ليسوا على مستوى ثابت وجامد، فقد يكون بينهم من هو عضو ذو قيمة محدودة، ويكون فيهم من يُميز على أنه عضو ذهبي أو ألماسي بتفوقه.. ولا شك أن فقيد العلم والتقى الحجة الشيخ التقي المصباح اليزدي(تضمنه الرحمن في أعلا الغرفات) ممن تعلّقت به أماني الحوزة الأم، وكان عنصرا فاعلا فيها لا مجرد منفعل بها، وعضوا ذهبيا من بين أعضائها الذين يمثلون معادن ثمينة يتميزون عن غيرهم في الزمن الصعب!

جيل ومجال:
مع الاشراقة الفكرية النسبية في حوزة قم بعد صعود القرن العشرين إلى عقده الخامس وما وليه من عقود وصولا بوقتنا الراهن، تيقظت عيون الكثير من الطلبة الشباب وذلك في إبان الزعامة الطبأطبائية، أو الثنائية الطبأطبائية بين السيد حسين البروجردي، والسيد محمد حسين التبريزي ـ صاحب الميزان ـ الطبأطبائيين، فهي ربما لم تكن ثنائية بما يتفق والفهم العام، ولكن كانت ثنائية اتفاقية تقوم على الشَبَه والتطابق من حيث الانفتاح الواعي على العالم، مما سمح بتولد طاقات فكرية وعلمية ذات ريادة لا تفسير عندي لتشكل طبقة رجالها في ذلك الوقت إلا هذه الثنائية، وأبرز أؤلئك الرجال: السيد محمد تقي القمي ـ فتى التقريب ـ ، والسيد محمد البهشتي، والسيد موسى الصدر، والشيخ مرتضى المطهري، و الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، و الشيخ جعفر سبحاني، و المخضرم الشيخ محمد تقي الجعفري الذي درس بين النجف وقم، و يظهر في نفس الحلقة الشيخ تقي مصباح اليزدي، و هذا النحو من العدّ والحصر لا يُسمح به إلا مع من هم أعضاء مشاركون فعليون مع الانبعاثة الفكرية، كهذه الأنجم الوضاءة، الذين دخلوا المجال الجدلي مع الثقافات والفلسفات المعاصرة، وكانوا من أبطال مسرحه، فيما تبقى القائمة مفتوحة أمام بقية الأعلام من إخوة ذلك الجيل، الذين كانت لهم إسهامات محدودة وتفاعلات جزئية في الواقعين الاجتماعي والفكري ولكنها مهمة أيضا.

الطاقة والنطاق:
كتابات الشيخ الفقيد ومحاضراته العلمية و جهوده الفكرية المكرّسة، إلى جنب مؤسساته العلمية التحقيقية كلها تنفث بالهم، والغيرة، والإخلاص، والتطلع، والوعي بالمرحلة، و أجمل ما في تلك الحماسة أنها امتدت بامتداد خط العمر في عقوده التسعة، فهي طاقة متجددة و وقادة، تنبئك عن نهضة مصباحية منفردة ومتفردة..
وحينما نرسم الخطاطة الفكرية لما تركه هذا العَلَم الفذ من أثار فإننا سوف ننظر في التقسيم الثلاثي التالي:

و كل بيت من هذه البيوت الثلاثة يجمع عائلة من العناوين والأدوار القرآنية، والكلامية، والفلسفية، والفكرية، والعرفانية، والتربوية… وقد تجاوز عملية تشييد هذه البيوت بمهارة شخصية أهّلته أن يرسم لكل بيت مظهره الخلاب و بناءه المتماسك، وليس بعد هذا إلا أن نقوم بجولة خاطفة تفتح أمامنا الأبواب الداخلية ضمن كل بيت منها:

المشروع الفلسفي والكلامي:
لقد استطاع قلمه أن يلقي علينا ـ وفي الأيام الأولى من التحاقنا بالحوزة، وحينما كان دفّاقا بالإصدارات الفلسفية والكلامية ـ شعورا بأنه قلم نظامي يسير وفق نظام التكامل الذي يتمم السابق ويؤسس للاحق، فالشيخ المصباح لم يمسك بقلم الحواشي والشروح الذي يهتز فوق الورق على سينفونية ملحنة من قبل السابقين عليه فقط، ولكنه كان ثاني اثنين في النصف الثاني من القرن المنصرم وأعني به الشيخ المظفر حيث امتشقا قلمَ الواثق فألقيا بمقترحين في المنهجية الفلسفية والعقائدية، وهي في عصرنا تعادل كتابة المتون في العصور الفارطة تلك التي لا يجرؤ عليها إلا خريتو الفن، فما أن يقدّموها حتى يتنافس مَن هو دونهم على شرحها و رقم حواشيها، وقد شاهدنا ترحيب الحوزة العلمية بمقترحات الشيخ المظفر: أصول الفقه، والمنطق، وعقائد الامامية، كما خضعت الحوزة لتصوّر ورؤية الشيخ المصباح مع كتابي المنهج الجديد في الفلسفة، ودروس في العقيدة دون أي تحفظ،و اللافت في ذات الموضوع أن تلك الحقبة قد شهدت نزول مختصرات و مدونات فلسفية وكلامية جديدة ولكنها لم تلق بالا من جمهور الأساتذة والعلماء في الحوزة العلمية شروى ما وصلت إليه محاولة الشيخين المجددين!
و هنا نؤكد مرة أخرى على أن كتابته الفلسفية كانت تمثل مشروعا رائدا تحمّل أعباءه الشيخ المصباح وغالبيتها خرجت على طريقة مذكرات للدروس التي انتظمت في أيام شبابه ضمن حراك واسع أراد أن يتجاوز به مصيبتين تخلقت منهما المحنة الإسلامية، فمصيبة الجهل بالفلسفة الإسلامية على مستوى الشباب اللاهث والمتعطش، تلقحها مصيبة الغرور بالفلسفة المادية فجاء الكتاب متضمنا لما لم تتضمنه تجربة أستاذه عميد الفلسفة الإسلامية في عصره أعني العلامة الطبأطبائي في بداية ونهاية الحكمة، لا سيما عرضه لمبادئ المعرفة من حيث رأى أن من الخلل المنهجي خلو الكتب الفلسفية منها، وفي الضمن يمكن للدارس أن يلاحظ لمساته الإبداعية والتفردية على مستوى التخريج و التحرير لبعض المفاهيم، وهو الأمر الواضح في مبحث العلم الحصولي والحضوري إذ قد استأنس بعض المعنيين بمباحث نظرية المعرفة بما رقمه هذا العالم العملاق تحت هذا العنوان.
وإن العناية بالمذاهب الفلسفية التي أخذ يفتتن بها أذهان الشباب حينذاك استمرت من قبله ونتج عنها كتاب إيديولوجيات مقارنة وكتاب دروس في العقيدة الإسلامية، وفلسفة الأخلاق ونظائر أخرى.

إعمار الروح القرآنية:
بعد أن قدّم العلامة الطبأطبائي نموذجه الفذ في تفسير القرآن الكريم والذي أسس دائرة معارف متكاملة على كتاب الله العزيز استطاع أن يلهم الكثير من حوله بأهمية البحث في موضوعات القرآن لا معانيه وحسب.
فانطلقت خلفه حركة واضحة على مستوى المحاضرات والاصدارات في الحوزات وجميعها يبحث الموضوعات المختلفة على ضوء القرآن المجيد، ولا سيما من قِبَلِ طلابه و قد كان هذا العالم الملهم من أصحاب الإسهامات الوافرة في هذا المضمار فأطلق مشروعه “معارف القرآن الكريم” والذي يقع في أجزاء متعددة، وإن بدا بعض فصولها استثنائيا في الاهتمام والجهد المبذولين، أخص بالذكر الجزء الثامن منها والذي أُفرد بعنوان مستقل وهو: “النظرة القرآنية للمجتمع والتاريخ”، فهو سفر بديع و دور علمي مثالي، ولا يصح أن يقال بعده ـ من وجهة حساب خاصة ـ أن الحلقة الثالثة من حلقات السيد الصدر”مجتمعنا” لا تزال حلما لم يتحقق بعد!
ولك أن تعرف عن هذا الكتاب أنه يشكل نقطة تحدي جدي وملتقى فكري حقيقي بين الطرح الإسلامي و اللاديني.. في حين أنه يرميك بسهمين اثنين فسهم العجب أولا إذا عرفت أن أول من دهش لقوته هو مصطفى ملكيان الذي سخّر قلمه ووقته لاخراج هذا الكتاب فكشف عنه النور باهتمامه واشرافه.. وسهم الخيبة ثانيا اذا علمت أن الكثير من أبناء الحوزة لا تربطهم بهذا الكتاب أي صلة بالرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على إصداره؟؟

التربية الروحية الممنهجة:
يقع على أرض التراث الإمامي نبع أخلاقي وعرفاني ثر، عاش معه المسلمون عامة والشيعة خاصة مفارقة عجيبة حيث لم يكتشفوه كما يليق بقرب المسلمين منه أو نسبة الشيعة إليه، فكانوا يواطئونه بأنظارهم كما يطئون بأقدامهم حقول الذهب الأسود قرونا دون أن ينسجوا منه ثياب حظهم الروحي!! بل لم يزد العلماء على ما قدمه الأوائل من كتابة بعض الكتب الحديثية المبوبة كالمحاسن للبرقي، ومشكاة الأنوار لأبي الفضل علي الطبرسي، ومكارم الأخلاق للحسن بن الفضل الطبرسي، وما حذا حذوها، بل كادت أن تشوهها بعض التيارات المتصوفة باستغلالها على طريقتها المشبوهة، حتى نسبوا إليها ما لم تصح نسبته! وأيا كانت خلفية العذر عن هذا التماهل التي لسنا في معرض الكشف عنها، فلعله في مطلع المحاولات العلمية الجادة بخصوص هذا الباب من التراث الإمامي هو كتاب المحجة البيضاء للشيخ المحسن الفيض الكاشاني “رحمه الله” الذي انطوى على بحوث من فقه الأخلاق..
وأما شيخنا المصباح فقد أضاء ستة ألاف صفحة ـ حسب الإحصائية الأولية ـ على دروب السير والسلوك إلى الله عز وجل أخلاقا، وعرفانا، وتربية، ويتقاسم تلك الصفحات الألفية أربعة عشر عنوانا:
1 شرح المناجيات الخمس عشر . 2 وداع الربيع . 3 زاد المسير . 4 وصايا إلهية . 5 الموعظة الخالدة . 6 وصايا الإمام الصادق عليه السلام للسالك الصادق . 7 الأخلاق في القرآن الكريم . 8 على درب الحبيب . ويسايرها على نفس الخط التربوي كتب أخرى وصلت إلى الروح بمسبار الأحداث التاريخية أو السيرة المطهرة للمعصومين مثل 9 أمواج الفتن .10 بارقة في سماء كربلاء 11 ضياء البارقة . 12 كأس من معين الكوثر . ويلحق بها بعض البحوث التأصيلية مثل كتابي: 13 العرفان الإسلامي . 14 محاولة للبحث في العرفان الإسلامي . والكتابان الأخيران بالذات جاء ليضعا الخطة الصلبة للبحث والخوض في العرفان النقي المصفى دون أي مزيج مشبوه.

فهذه الدراسات استطاعت أن تشكل محيطا من العبر، والحكم، و المواعظ، و التجارب التاريخية، و التجليات، و الاستراتيجيات الروحية التي لا غنية عنها..
فهو يرى في مشروعه هذا صفقة إلهية رابحة، و إنما أشاده على نظرة ثاقبة في أهمية الدرس الأخلاقي المفصل والمسلسل في الحياة المفتوحة للناس عموما وفي ظلال الحوزة العلمية خصوصا، في سبيل بناء الأنا المتدينة غير القابلة للاختراق في زمن أعدت فيه شياطين الانس عدتها للإسلام وابنائه وللحوزة ورجالاتها!!

أبهظ ثمن عرفه الإصلاح:
بالرغم من فعالية بعض منابر التهذيب والتطييب الروحي في بعض أروقة قم المقدسة، والتي كانت تدور بالبحوث الأخلاقية في العطل الأسبوعية وما عداها، إلا أن سماحته علم أن الطرح الأخلاقي لا يبلغ وجهته بالحديث السردي فقط، والذي يمكن أن يوكل إلى أصحاب السجايا الفاضلة من العلماء، بل الموضوع أعقد من ذلك فيجب أن ينسج بحديث رؤيوي يعيش الهمّ بذورا يتفاعل معها تفاعلا اجتماعيا كيماويا يحيلها إلى حصاد وشيك، وهذا ما يتوقف على عزيمة خاصة وخطة ذكية تكفي لنظم مادتي الأخلاق والعرفان عرضا وتأصيلا مع ما كان يرى من الحاجة الضاغطة لهذا الإصلاح العرفاني والأخلاقي، وربما لهذا السبب برر لنفسه الشريفة التصدي بهذا العطاء المتواتر والمستمر الذي هو واحد في الاتجاه والهدف، وان كان بحساب الوقت والجهد تنازلا اضطراريا عن العمل الأفخم والمشروع الأكبر الذي بدأه مع الفلسفة والمعرفة، فظل أمثالي يعانون من الأسى جراء هذه الهجرة الجزئية للشيخ من موطن الفكر إلى موطن التربية، وليس هذا عتب بقدر ما هو شعور صادق تجاه سماحته وانه كان بحق من القلة المرشحين لمتابعة التجنيد الفلسفي الذي بدأ مع الثلاثي العلمائي (الطبأطبائي، الصدر، المطهري) فلا زال هناك من الفلسفات التي أدركها وقرأها المحقق اليزدي الكثير الكثير مما لم يكن في حساب فلسفتنا، ولا الأسس المنطقية، ولا أصول الفلسفة، ولا شرح النظومة في ثوبه الجديد للمطهري، إما لعدم وفرة الترجمات آنذاك، وإما لأن رواد تلك الفلسفات وجوه جديدة بزغت عند غروب الشموس الثلاثة! فكان الأمل في مواصلة هذا الطريق معقودا بناصية فقيدنا الكبير بما يمثله من حدة في الفهم والاستيعاب و نضج في المادتين الفلسفيتين الإسلامية والعالمية.
نعم لا بد من الاعتراف أنه قد كان لهذا الانحياز الجهادي نحو الإصلاح الجواني والمعنوي آثار إيجابية في الميزان الروحي، ليس داخل الحوزة العلمية و حسب، بل وخارجها أيضا حيث أن صحائفه بدتْ وكأنها سريعة الانتشار و واسعة الطلب يتلقفها الشباب المؤمن، إلا أنه قد كان (ولا بد أن يكون) لهذا الانحياز الواعي ثمن باهظ في حياة النخب خاصة، وكفى بتقهقر البناء الفكري ثمنا!! إذ لم يمشى المشروع الفكري بين يديه الشريفتين بعد اشتغاله بالطرح المتواتر والمستمر في موضوعة التربية الأخلاقية والعرفانية والتي انبسطت على ما يتخطى 6000 صفحة، إلا مشيا بطيئا غير معهود من سماحته، وحتى ما جاء بعدُ في تنضيد النظريتين الحقوقية والسياسية في الإسلام[2] فإنه قد لا يوزن بدراسته للمجتمع و التاريخ رغم جماليته واختصاصه بإجابات و مخرجات ذات سابقة علمية وفكرية على مستوى كل الموضوعات التي تناولها كالديمقراطية، والزمان والمكان، والحرية، ونسبية المعرفة، وكذا وكذا.. ولذا نراه يعتذر في مناظرته مع الشيخ الحجتي الكرماني التي عقدت على هامش هاتين السلسلتين “أنني لست في مقام التفصيل والاسترسال مع كل ما يصل إليه الذهن لأن الوقت والمكان لا يسمحان بذلك”![3]

بل إن سماحته لم يدخر صراحة في التأكيد على أن ملف تعدد القراءات هو المعول الأقوى في ضرب بناء الدين[4]، ويقيني الشخصي بأن ما خصصه من محاضرات لهذا الموضوع لم تفتح كل أبواب البحث العلمي أمام المثقف المسلم المتعطش، فهي وإن استطاعت حقا أن تصوغ المفاتيح الذكية لتلك الأبواب من خلال ما نثره من لوازم محرجة وإلزامات داحضة لأدعياء تعدد القراءات، لكنها قد لا تعمل في يد المستخدمين غير الأذكياء! بل قد كان ملتفتا إلى ضيق المساحة بين يديه فالقى إلى القارئ عذره عن استيفاء كل ما يستدعيه النظر في هذا الموضوع وكرره المرة تلو الأخرى[5].

وكيف لا نأسى على هذا التضاؤل النسبي للضخ الفلسفي والفكري الذي استهل به حياته العلمية إذا كان هو من يرى عدم التناسب بين حجم الشبهات الفلسفية و المعرفية وبين المنهج التعليمي الرسمي في الحوزة العلمية، بل إنه يشدد على حاجة الطلبة إلى إعداد خاص ودقيق لينهضوا بردها والتباحث معها فاستمع إلى قوله:
“” …منذ أكثر من عشرين عاما وقد طرحت مسألة “انكماش الشريعة وانبساطها” وقد كتبت في هذا المجال المقالات وصنفت الكتب لكن كم من الحاضرين من يملك تصورا واضحا عن مفهوم “انكماش الشريعة وانبساطها” إذا سئل عنه؟ للأسف فهناك من لا يعلم شيئا عن أصل الموضوع فضلا عن قدرته على الإجابة عليه!!

هناك أمثلة كثيرة على هذا النمط من المسائل والسبب في ذلك يعود إلى أن الدروس الرسمية للحوزة العلمية ـ على الرغم من ضرورتها وكونها محط احترام ـ غير كافية للرد على مثل هذه الشبهات، ولا بد من رفدها بدروس أخرى””.[6]
وليس في هذا الكلام أي استسهال لموارد الجامعة الدينية؛ إلا أن طالب العلم لا يتكامل معها عادة إلا من خلال أدوار علمية تجعل النظرة إلى الحراك الفكري والفلسفي متسما بالجد أكثر، كالمقارنة بين النظرية والنظرية الأخرى، والطرح الراتب، والتدريب، فهذه أنشطة وأدوار يمكن ان تعمل على إسالة وإذابة المادة العلمية والفكرية المنجمدة في المتون والمصطلحات.

ميدان الحوار:
للانفتاح على الحوار المباشر مع طلائع الشباب مضامين روحية عالية فهو مرآة الشفافية، و الثقة، والقرب النفسي، والاجتماعي من الناس، وشارة على روح التقبل، وسوى ذلك مما ينفي شبهة ممارسة الوصايا على العقول، بل وينفي مزاعم الحصانة الدينية على العلماء الدعوى التي قابلني بها بعض الأصدقاء ذات عامٍ من الأعوام فقلت له أمع كل هذه الجلسات الحوارية التي أعقدها ويعقدها أساتذتنا العلماء واخواننا الخطباء لاستقبال النقد ولاستماع المناقشة ترى أننا نتجلبب بثوب الحصانة الدينية؟!
وإن مما يرتفع بقدر هذا العالم النحرير هو استئناسه بالحوار و اعتداده بهذا السلوك الثقافي، حتى أن العديد من كتاباته التي نقلت عن محاضرات تشتمل على ملاحق حوارية مفصلة نظير ما كان لدى سلفه الشيخ المرتضى المطهري.

منطق الاحتراب الفكري:
يسعى البعض ممن تابع تقدم الشيخ المصباح و شجاعته العلمية ليجره إلى مستنقعات الحرب والأزمات، إذ يستغل بعض النبرات العالية من قبل الشيخ ويبترها عن سياقها، وهكذا نصبح أمام شعبذة فكرية ـ ربما غير مقصودة ـ لتظهر جهوده المباركة في صورة التكفير والتضليل، وربما استمر لينبش في قديم حياة فقيدنا وطبيعة علاقاته ببعض الشخصيات ذات الموقعية في حياة الشباب في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وهي مواقف لو تمت مراجعتها ربما أعطتنا تصورا مختلفا عما تراءى لهذا الأخ وذاك!!
وعلى الصعيد ذاته نقول: إن ما ينتظره القارئ المسلم هو ان يتلقى أنصار تعددية القراءة مناقشات المصباح اليزدي لهم بالنشاط العلمي و السجال الهادف لا بالمقالات التي تسوّق لانبطاعات سلبية، و تشبه إلى حدود ما الجرائم السوقية التي تعمل على تبوير السلع الأخرى وتكسيدها!
فقد كتب بعضهم[7] مستفهما كيف يعد اليزدي نظرية تعدد القراءة من أخطر ما واجهه الإسلام ويواجهه إلى الأبد..ثم يسبغ على استفهامه صفة منطقية متناسيا أن الشيخ قد قدّم مقدمة في الخلفيات التاريخية والسياسية والنفسية لهذه النظرية، والتي لا يمكن الحؤول دون قدرتها الذاتية على إلهاب الإحساس وإلقاء مشاعر الشك والريب تجاه هذه النظرية!
وتتصاعد نزعة الاغواء للرأي العام ـ التي لا نستبعد عفويتها اذا كانت محض نفسية ـ باعتبار الشيخ اليزدي واحدا من الإسلاميين الذين ابتنى توترهم من تعدد القراءات على عدم القدرة على الإجابة عن الأسئلة الجديدة من قبل علاقة التعددية بالحاكمية والحكومة الدينية، مما يجعلك تظن أن الكاتب فهيم وهميم إذ قد قرأ أبحاث اليزدي في النظرية السياسية الإسلامية وأنه على استعداد أن يتحدث عن المآزق التي تورط فيها طرح الأستاذ المصباح بالتفصيل،بينما لم يصلنا أي مقال أو لقاء إلحاقي يدلل على ذلك ؟!
وعلى من يهمه الحق أن يراجع وراء اتهاماتهم للشيخ بالتشدد والتشنج إلى البحث المطبوع في خصوص تعدد القراءات ليرى أن قلمه لم يلقِ تهمة التضليل على أحد بعينه إلا ما كان منه في وجه بعض المجموعات المكشوفة كـ(مجاهدي الشعب)[8].. وما سوى ذلك لم يكن إلا على سبيل ذكر لازم الكلام وليس لازم المتكلم!!

نفسيات ثقافية مضطربة!
وليس خافيا أن سلوك المجاوزة اللامنطقي للفكر المختلف هو شكل من أشكال التقاليد الثقافية الجديدة ولا نريد أن ندخل في دائرة علم النفس الثقافي الآن، ولكن قد لاحظنا البعض من المتسمين بالثقافة الثورية اليوم لا سيما الذين يتصدرون أعمدة الصحف و منصات التواصل الاجتماعي، يتميزون بسلوك المجاوزة هو مصادرة الاطاريح العلمية ونزع دسومتها، من حيث الاكتفاء في الرد عليها بالانطباعات الشخصية والتخيلية، وهؤلاء كانوا ولا زالوا يواجهون المفكرين الإسلاميين بهذه الطريقة، فكما قرأت قديما حوارية لاحدهم وكأنه مقللا من شأن نجاح الشيخ المطهري بأنه: لم يُحط بالفلسفة الغربية ولم يقرأ أمثال هيكل ولا غيره من الفلاسفة، ويالسعادة حظه طبعا فقد كان محاوره مفلسا

إذ لم يهجس بشاهد واحد من كتب الشيخ ليرده به[9]!! فهكذا نحن اليوم نقابل من يريد منا التسليم بـأن الشيخ محمد تقي اليزدي في عداد من يُنظِّرون للعنف الديني، و المتحدث بهذا يشير إلى تأكيد الشيخ على أحكام الدين في القصاص والتعزيرات التي ترمي إلى غاية ديناميكية في الأمة الإسلامية أن يكون لها نظام إجرائي، وقانون شامل، وقوة تقلل من نفوذ الأهواء المتكالبة عليها، وتردع الفرد والمجتمع عن الانحراف والانجراف في المهاوي الشيطانية، و تتصدى للمؤامرات التي تحاك من وراء الأمة الإسلامية، و لكن من الواضح أن ردّات الفعل هذه ليست كلها من نفس واحدة! فهناك المثقفون الرقيقون الذين يحسبون كل صيحة عليهم!! وهناك وكلاء المزايدة وعملاء الاختلاف فإن أيسر ما يقوم به هؤلاء هو تبوير السلع الفكرية واسترخاص المادة العلمية التي يعرضها علماء الاتجاه الإسلامي الأصيل، بأساليب شتى أوضحها الرمي والتهمة أو الغمط والتجاهل، فالفيلسوف المصباح قد تميز بروح الجد والاستعداد للطرح وانصاف الآخرين من نفسه، وحسبهم لو كانوا صادقين مع أنفسهم أن يتوقفوا عند دعوته لغيره للحوار المتلفز معه، وقد كان هذا قبل عشرين عاما، وأن يبحثوا في أسباب تلكؤ بعض الخواضين في بحوث التجديد والحركة الفكرية المعاكسة، ومن حسن الحظ أن موضوع العنف بالذات قد خرج بنصيب من هذه الدعوة، ولم يستجب له إلا القلة وقد يكون واحدا لا ثاني له، وقد نوه المقدم للبرنامج بشكره على الاستجابة وهو الشيخ الحجتي الكرماني، و تمخض عن ذلك مناظرة تلفزيونية هادفة في أربع حلقات، ويوجد لها نسخة نصية(بالفارسي) على موقعه الرسمي؛ ولذا فالحكم على الشيخ أو له في هذا الموضوع لا يحتاج إلى تغريدات أو نشريات فيسبوكية، ولكن على من تهمه الحقيقة أن يستخرج صفحات هذه المناظرة ويقرأها مع كوب الصباح الدافئ ثم ليقل الكلمة التي سوف يواجه بها ربه.

العالم القوي:
لقد جمع هذا الأستاذ الكبير كل سمات القوة إذا ما فسرناها بكل قوة يحتاجها العالم الفذ من قوة التأثير، وقوة الادراك حينما يطالع ويقرأ، وقوة البيان في الطرح والعرض، وقوة كسب الآخرين، وقبل هذا كله قوة النفس، فالقوة صفة عزيزة في حياة الأساتذة والعلماء لذلك بات بعضهم غير مؤثر بسبب ما ينقصه من عناصر القوة رغما على علميته!
لم يكن الشيخ الراحل متقدما في السن حينما استطاع بقوة تأثيره أن ينطلق بمؤسسة راه حق “على طريق الحق”، والتي ينبئك عن مركزيتها أنها استطاعت أن تلعب دور العرّاب بين الجامعة والحوزة، وقد وجد فيها بعض الفضلاء فرصة التهيؤ العلمي والروحي للوصول إلى كرسي الاستاذية في كلية الإلهيات بطهران.
وقد كسب أقرانه وثقتهم به عن قوة عزّ وصيفها ولا زلت أتذكر كلمة استاذي الفقيه السيد محسن الخرازي “حفظه الله” كيف رد طلب بعضهم له أن يتصل بالشيخ المصباح ويسأله عن الدليل بشأن دعوى طرحها في إحدى خطب الجمعة فقال: إن الشيخ المصباح أكبر من أن يسأل ما دليلك !!
وأما قوة النفس فبما تجلى في حياته من التواضع لأصاغر الشباب والطلبة وإني استحضر زيارتي العلمية والفكرية له في عام 1415ه – 1994م حين كنت في مقتبل الشباب في مكتبه مقابل مدرسة الحجتية بقم أنذاك فدخلت متهيبا لأنني سأقابل أستاذا عملاقا، ولكن وجدتني في أحضان ابتسامة ودعابة وشخصية ربانية تصغي جيدا وتختصر الإجابة اختصارا يظل ينبع كلما راجعته وتأملته!!و مما يقاس به قوة نفسه خفضه لها وهضمها أمام العلماء سواء من تعلم هو منهم أو من ساواهم في الفضل والعلم والعمر!!
فقد كان فتى آمن بربه وزاده الله هدى، الهدى الذي جعله يعرف كيف يستدر مَدَرّ العرفان وضرع الإيمان الشيخ محمد تقي بهجت، فبينما كان الأخير على موعد مع رياضة المشي ساعة من كل يوم يتجول فيها بين مزارع صفائية آنذاك كان هذا الفتى يقتفي أثر خطاه ويأخذ عنه!
ويحدثك عن انكساره أمام العلماء لقطات ومشاهدات شهيرة في السوشيل ميديا تراه فيها لاثما يد الشيخ محمد علي العمري رجل الشيعة الأول بالمدينة المنورة، ويد السيد شبيري زنجاني والأعظم والأدنى منهما.


[1] العلم والحكمة في الكتاب والسنة . محمدي الري شهري . 353 .

[2] النظرية الحقوقية في الإسلام والنظرية السياسية في الإسلام يقع كل منهما في مجلدين، وهي عبارة عن محاضرات ألقيت في حرم جامعة طهران في الوقت المخصص للمحاضرات النخبوية قبل رفع النداء مع شعيرة صلاة الجمعة.

[3] وقد رفع النص المقروء للمناظرة على موقعه الشخصي في أربعة أقسام.

[4] تعدد القراءات . مصباح اليزدي . 21 وهي إشارة متكررة في أعطاف وثنايا أخرى من الكتاب.

[5] م / ن : 6 و 22 و 59.

[6] أمواج الفتن: 204 – 205.

[7] صحيفة إيلاف . حسن المصطفى . إسلاميون وتعدد القراءات مصباح اليزدي نموذجا .

[8] تعدد القراءات محمد تقي اليزدي . 51.

[9] نظرة إلى شرح المنظومة وإلى كتاب المجتمع والتاريخ لمطهري كافية لتفنيد هذا الانطباع المجحف في حق الأستاذ المطهري.

اترك رداً