بــيـن ضـــربـتــين

img

إبراهيم بوخمسين

لم تشهد الإنسانية رجلاً يحفظ الدين ضارباً ومضروباً ولم تشهد رجلاً مولوداً ومقتولاً في بيوت الله ومساجده سوى علي إبن أبي طالب سلام الله عليه. فهو بين ضربتين أولاهما تساوي أعمال الثقلين إلى يوم القيامة وهي ضربته لعمرو بن عبد ود. وأخراها مضروباً بسيف المرادي مغدوراً صائماً في محرابه يصدح بها المؤمنون كل سنة بالمواعظ والسيرة العطرة التي يتوارثها الناس جيلاً بعد جيل.
يقول رسول الله في ضربة علي:
ضربة عليٍّ (ع) يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين.
أما بعض ما جاء في ولادته
فيقول أحد الأدباء في ولادته واستشهاده:
ولدت ببيت الله وقلبك بيته … وأنت شهيد البيت فافخر على الدهر
ويقول العلامة السيد علي نقي الحيدري
كنت أنت المولود في البيت فضلا …. واخـتصاصا لم يـؤته الأنـبـياء
أما السيد الحميري رحمه الله فيقول:
ولــــدتْهُ في حَـرَمِ الإلهِ وأمنِــــه … والـبـيـتِ حـيث فـناؤه والـمسـجـدُ

ما أريد أن أقاربه بعد هذه المقدمة عن هاتين الضربتين هو ما جاء من الشعر عن تلكما الحادثتين قديما وحديثا. ففي التواتر إفادة في وقوع الحدث ومواقعة للواقع ومجانبة للكذب إلا أن يكونوا القوم قد اتفقوا على الكذب وهذا شيء محال وكما يقول المثل الكذب حبله قصير. وقديماً قال أبو فراس الحمداني ( الشعر ديوان العرب وعنوان الأدب )، وللشعر مع العرب ألف ديوان وديوان ففيه جلاء همهم و زوال سأمهم ومجال فخرهم وموضع فرحهم ووسيلة تعبيرهم عن حزنهم وشوقهم وفي تدوين تاريخهم وأحداثهم.
في الورقة الأولى ” نحاول تسليط الضوء نقل الحادثة وعلى الأشعار التي قيلت في غزوة الخندق وبالذات في حادثة قتل عمرو بن عبد ود وضربة علي.
حادثة قتل علي بن أبي طالب لعمرو بن ود مبارزة في غزوة الخندق بالتفصيل الذي يذكره أهل السير والتاريخ هي من رواية ابن إسحاق، ورواية ابن إسحاق مرسلة.
إلا أن هذه الحادثة مشهورة عند أهل السير والتاريخ والتراجم، وقد نقلوها قاطبة في كتبهم ومصنفاتهم، وممن أخرجها:
البيهقي في “السنن الكبرى” (18/ 431)، وفي “الخلافيات” (5/ 233):
أن هذه الحادثة مشهورة عند أهل السير والتاريخ والتراجم ، وقد نقلوها قاطبة في كتبهم ومصنفاتهم ، وممن أخرجها:
البيهقي في “السنن الكبرى” (18/ 431)، وفي “الخلافيات” (5/ 233) : عن ابنِ إسحاقَ قال : خَرَجَ – يَعنِى يَومَ الخَندَقِ – عمرُو بنُ عبدِ وُدٍّ فنادَ : مَن يُبارِزُ ؟ فقامَ عليٌّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وهو مُقَنَّع في الحَديدِ فقالَ : أنا لَها يا نَبِيَّ اللَّهِ. فقالَ: إنَّه عمرٌو، اجلِسْ ونادَى عمرٌو: ألا رَجُلٌ. وهو يُؤَنَبُهُم ويَقولُ: أينَ جَنَّتُكُمُ التي تَزعُمونَ أنَّه مَن قُتِلَ مِنكُم دَخَلَها؟ أفَلا يَبرُزُ إلَيَّ رَجُل؟ فقامَ عليٌّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – فقالَ: أنا يا رسولَ اللَّهِ. فقالَ: اجلِسْ ثُمَّ نادَى الثَّالِثَةَ وذَكَرَ شِعرًا، فقامَ عليٌّ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ أنا. فقالَ : إنَّه عمرٌو، قال: وإِن كان عَمرًا فأَذِنَ له رسولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فمَشَى إلَيه حَتَّى أتاه وذَكَرَ شِعرًا، فقالَ له عمرٌو: مَن أنتَ؟
قال: أنا عليٌّ
قال: ابنُ عبدِ مَنافٍ ؟
فقالَ: أنا عليُّ بنُ أبى طالِبٍ
فقالَ : غَيرُكُ يا ابنَ أخِي مِن أعمامِكَ مَن هو أسَنُّ مِنكَ، فإِنِّي أكرَهُ أن أُهَريقَ دَمَكَ.
فقالَ عليٌّ – رضي الله عنه -: لَكِنَى واللهِ ما أكرَهُ أن أُهَريقَ دَمَكَ.
فغَضبَ فنَزَلَ وسَلَّ سَيفَه كأنَهّ شُعلَةُ نارٍ، ثُمَّ أقبَلَ نَحوَ عليٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – مُغضبًا، واستَقبَلَه عليٌّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – بدَرَقَتِه، فضَرَبَه عمرٌو في الدَّرَقَةِ فقَدَّها، وأَثبَتَ فيها السَّيفَ وأَصابَ رأسَه بشَجَّةٍ، وضَرَبَه عليٌّ على حَبلِ العاتِقِ فسَقَطَ، وثارَ العَجَاجُ، وسَمِعَ رسولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – التَّكبيرَ، فعَرَفَ أن عَليًّا قَد قَتَلَه.

وقد روى الحاكم في “المستدرك” (3/ 33) رواية موصولة، فيها: أن عليًّا رضي الله عنه قتل عمرو بن ود في غزوة الخندق، وذلك من حديث مقسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وذكر الحادثة………
وجاء في “المستدرك” أيضًا (3/ 34) عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: ” قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ “، وقال الحاكم إِسْنَادُ هَذه الْمَغَازِي صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وقد أثبت هذه الحادثة غير واحد من الأئمة والعلماء، ومن ذلك:
ما ذكره البيهقي في “السنن الكبرى” (18/ 430) عن الإمام الشَّافِعِيُّ رَحِمَه اللهُ، أنه قال: ” وبارَزَ يَومَ الخَندَقِ عليُّ بنُ أبى طالبٍ عمرَو بنَ عبدِ وُدٍّ ” انتهى.
وذكر الفاكهي في “أخبار مكة” (3/ 350) عن أَبي عَوَانَةَ قال: ” تَزَوَّجَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، صَفِيَّةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيِّ، قَتِيلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ” انتهى.
وقال ابن القيم في “زاد المعاد” (3/ 243) في كلامه عن غزوة الخندق: ” وَأَقَامَ الْمُشْرِكُونَ مُحَاصِرِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ لِأَجْلِ مَا حَالَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَنْدَقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ عمرو بن عبد ود، وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ أَقْبَلُوا نَحْوَ الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَيْهِ قَالُوا: إنَّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهَا، ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكَانًا ضَيِّقًا مِنَ الْخَنْدَقِ، فَاقْتَحَمُوهُ، وَجَالَتْ بِهِمْ خَيْلُهُمْ فِي السَّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ، وَدَعَوْا إِلَى الْبِرَازِ، فَانْتُدِبَ لعمرو عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَبَارَزَهُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَانَ مِنْ شُجْعَانِ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْطَالِهِمْ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إلَى أَصْحَابِهِمْ ” انتهى.
ومن المعلوم أن العلماء يتساهلون في روايات السير والتراجم، بخلاف الأحاديث الواردة في الأحكام والعقائد والسنن، ومراسيل ابن إسحاق: عليها معول أهل العلم في هذا الباب. فلا حرج في ذكر هذه القصة ونقلها.
ما بكى به مسافع عمرو بن عبد ود
قال ابن إسحاق‏: وقال مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح ، يبكي عمرو بن عبد ود، ويذكر قتل علي بن أبي طالب إياه‏:‏

عمرو بن عبد كان أول فـارس … جزع الـمـذاد وكان فارس يـلـيل
سـمـح الخـلائق ماجـد ذو مــرة … يـبـغي الـقـتال بـشـكة لـم يــنـكل
و لـقـد علـمتـم حـين ولوا عنكم … أن ابن عــبــد فـيـهـم لم يـعـجــل
حـتى تــكـنَّـفــه الكـمـاة وكـلـهـم … يـبغي مـقاتــله ولـيس بـمـؤتــلي
ولـقـد تكـنـَّـفـت الأسـنـة فـارسا … بجـنوب سـلع غـير نكـس أمـيـل
تسل الـنـزال عليّ فـارس غالب … بـجنـوب سلع، لـيتـه لم يـنــزل
فاذهـب عليّ فـما ظفـرت بمثله … فخـراً ولا لاقـيـت مثل المـعضل
نفسي الـفداء لفارس من غـالب … لاقى حـمام الــموت لم يـتـحـلحل
أعني الذي جزع المـذاد بمهره … طـلبا لــثــأر مــعـاشر لم يـخــذل
ما أنب به مسافع الفرسان أصحاب عمرو بن عبد ود وقال مسافع أيضاً يؤنب فرسان عمرو الذين كانوا معه، فأجلوا عنه وتركوه‏:

عـمرو بن عبد والجـياد يقـودها … خــيــل تــقـاد له وخــيــل تــنعـل
أجـلت فــوارسه وغـادر رهـطه … ركــناً عـظـيـمـاً كان فـيـهــا أول
عـجـباً وإن أعـجب فقد أبصرته … مهـما تــسـوم علي عـمـرا يـنـزل
لا تـبعـدن فـقـد أصبــت بقـتـلــه … ولـقـيت قـبل الـمـوت أمـراً يـثـقل
وهــبـيرة الـمسلــوب ولى مدبراً … عـند الـقـتال مـخـافــة أن يـقـتـلوا
وضرار كأن البأس منه محضراً … ولى كـما ولـى اللـئــيـم الأعــزل
قال ابن هشام‏:‏ وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏عمرا ينزل)‏ عن غير ابن إسحاق ‏‏
ما قاله هبيرة في فراره ورثائه عمر بن عبد ود
قال ابن إسحاق‏:‏ وقال هبيرة بن أبي وهب يعتذر من فراره، ويبكي عمرا، ويذكر قتل علي إياه‏:‏
لـعـمري ما ولـيـت ظهري محمدا … وأصحـابه جـبنـا ولا خـيفـة الـقـتـل
ولكـنـني قـلـبـت أمـري فـلـم أجـد … لسيـفي غـناء إن ضـربت ولا نـبـلي
وقـفــت فـلـما لـم أجـد لي مـقــدما … صدرت كـضرغام هـزبر أبي شبل
ثـنى عـطفـه عن قرنه حين لم يجد … مــكـرا وقـدما كان ذلك من فــعـلي
فلا تبـعـدن يا عـمرو حـياً وهـالكاً … وحـق لـحسن الـمدح مثلك من مثلي
ولا تـبعـدن يا عـمرو حـياً وهـالكاً … فقد بنـت محمود الـثنا ماجد الأصل
فمـن لـطراد الخـيل تـقـدع بالـقــنا … وللـفـخـر يـوما عـنـد قـرقرة الـبـزل
هــنالك لو كان ابـن عـبـد لـزارها … وفـرجـها حقــا فـتى غـير ما وغــل
فـعـنـك علي لا أرى مـثـل موقـف … وقـفـت على نـجـد المـقـدم كالـفـحل
فـما ظـفـرت كفـاك فـخـرا بـمـثـله … آمنـت به ما عـشـت من زلة الـنعـل

ما قاله هبيرة في رثاء عمرو أيضاً وقال هبيرة بن أبي وهب يبكي عمرو بن عبد ود، ويذكر قتل علي إياه‏:
لقد عـلـمت عـليـا لؤي بـن غـالـب … لـفـارسها عـمرو إذا نـاب نـائــب
لــفـارسـها عــمرو إذا ما يـسومــه … علــي وإن اللــيــث لا بــد طـالب
عـــــشــيـــة يـدعـــوه علــي وإنــه … لفــارسـها إذ خـام عـنه الـكتـائـب
فيـا لهــف نفـسي إن عـمرا تـركـته … بـيثـرب لا زالـت هناك المصائب

حسَّان يفتخر بقتل عمرو
وقال حسَّان بن ثابت يفتخر بقتل عمرو بن عبد ود‏:‏
بقـيـتـكم عـمـرو أبحـناه بالـقـنا … بـيـثـرب نـحـمي والـحـماة قـلـيـل
ونــحن قـتـلــناكم بـكل مـهـــنـد … ونحن ولاة الحرب حين نـصول
ونحـن قـتـلـناكم ببدر فأصبحت … معـاشـركم في الـهـالكـيـن تجول

قال ابن هشام‏:‏ وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسَّان‏.

قال ابن إسحاق‏:‏ وقال حسَّان بن ثابت أيضاً في شأن عمرو بن عبد ود‏:‏
أمسـى الفـتى عـمـرو بن عبد يبتغي … بـجـنـوب يــثـرب ثـأره لـم يــنـظـر
فـلــقـد وجـدت سـيـوفــنا مـشـهـورة … ولـقــد وجــدت جــيـادنا لم تقـصــر
ولـقــد لـقـيــت غـداة بـدر عـصـبــة … ضربوك ضربا غير ضرب الحسر
أصبــحـت لا تـدعى لــيوم عـظـيمة … يا عــمرو أو لــجـسـيم أمـر مـنـكـر

قال ابن هشا‏م:‏ وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسَّان‏.‏

ولما كان حسان معروفاً بالجبن وافتخر في قتل عمرو بسيوف الأنصار التي لم يكن لها في قتله أثر وإنما قتله سيف الهاشميين سيف علي بن أبي طالب وبلغ شعره بني عامر أجابه منهم فتى فيما حكاه المفيد فقال يرد عليه في افتخاره بالأنصار وشعره يدل على أنه كان مسلما:
كــذبـتـم وبـيـت الله لا تـقــتـلـونـــنا … ولكـن بسيف الهاشمـيـين فافـخـروا
بسيف ابن عبد الله أحمد في الوغى … بكــف عـلي نـلـتـم ذاك فـاقــصروا
ولم تـقـتـلوا عـمـرو بن عبد ببأسكم … ولكـنه الكفــر الهـزبر الغـضــنـفــر
علي الـذي فـي الـفـخـر طال بنـاؤه … فلا تكـثـروا الدعوى علينا فتحقروا
بــبـدر خـرجــتـم للـبــراز فــردكـم … شـيـوخ قــريش جــهـرة وتـأخــروا
فـلـمـا أتاهم حـــمـزة وعـــبــيــدة … وجـــاء عـــلي بالـمهـــنـد يـخــطــر
فــقـالــوا نـعــم أكفاء صدق فأقبلوا … إلــيهـم سـراعاً إذ بـغــوا وتـجـبـروا
فــجــال عـلـي جــولــة هـاشـمــيـة … فـــدمــرهــم لــما عـــتـوا وتـكـبروا
فــلــيس لـكـم فــخـر عـلينا بغـيـرنا … ولـيــس لكــم فـــخــر يـعـد فـيـذكر

وفي وقعة الأحزاب يقول الحاج هاشم الكعبي من قصيدة:
وعــشـيــة الأحــزاب لما أقــبـلـت … كالــسيــل مـفـعــمة تـــقـود الــقـودا
عـدلت عن النهج القـويـم وأقـبلت … حــلـف الـضـلال كــتـائــباً وجــنـودا
فأبحت حرمتها وعـدت بـكــبشها … في الـقـاع تـطـعــمه الســباع حـنـيـدا

قال ابن إسحاق‏:‏ وقال حسَّان بن ثابت أيضاً‏:‏
الا أبــلِـــغْ أبا هِـــدمٍ رســولا … مغـلغـلـة تـخـب بـهـا الـمطي
أكــنـتُ ولــيـكم في كـل كـره … وغيري في الرخاء هو الولي
و مـنـكم شـاهـد ولــقــد رآني … رُفعـتُ له كما احتمل الصبي

قال ابن هشام‏:‏ وتروى هذه الأبيات لربيعة بن أمية الديل، ويروى فيها آخرها‏:‏
كــبـبـت الـخـزرجي على يـديه … وكان شـفاء نـفسي الخزرجي
وتروى أيضاً لأبي أسامة الجشمي.‏‏
– كان لعمرو أخت اسمها عمرة وكنيتها أم كلثوم. في إرشاد المفيد روى أحمد بن عبد العزيز حدثنا سليمان بن أيوب عن أبي الحسن المدائني قال لما قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ود نعي إلى أخته فقالت من ذا الذي اجترأ عليه فقالوا ابن أبي طالب فقالت لم يعد موته إن كان على يد كفء كريم لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه قتل الابطال وبارز الأقران وكانت منيته على يد كفء كريم من قومه ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر ثم أنشأت
تقول :
لو كـان قاتـل عـمرو غـيـر قـاتـله … لكــنـت أبـكي عـلـيـه آخــر الأبــد
لكـن قـاتل عـمـرو لا يـعـــاب بــه … من كان يدعى قــديماً بيضة البلـد
وتتمة الأبيات في غير رواية المفيد:
من هاشم في ذراها وهي صاعدة … إلى الـسمـاء تمـيـت الناس بالحـسد
قـــوم أبى الله إلا أن يكــون لـهــم … كــرامـة الــديـن والـدنـيا بـلا لــدد
يا أم كــلــثـوم ابـكــيه ولا تـدعي … بــكــاء مــعــولة حـرى عـلى ولــد

قال المفيد في روايته وقالت أيضا في قتل أخيها وذكر علي بن أبي طالب:
أسـدان في ضـيق الـمجال تصاولا … وكــلاهــما كــفــو كـــريـم باســل
فـتـخـالسا مهـج الـنـفـوس كـلاهـما … وســط الــمــذاد مـخـاتـل ومقـاتـل
وكـلاهما حـضـر الـقـراع حـفيظة … لم يـثـنـه عن ذاك شـغــل شـاغـــل
فاذهـب علي فـما ظـفــرت بـمثـلـه … قــول ســديـد لــيس فــيه تـحـامـل
ذلـت قــريـش بـعـد مهـلـك فـارس … فالــذل مهـلــكـها وخــزي شـامــل

عن علي (عليه السلام) أنه قال:
وكـانوا على الإسـلام إلـباً ثـلاثــة … فـقـد خــر من تلك الـثلاثة واحـدٌ
وفــر أبو عـمـرو هـبــيرة لم يـعد … ولكن أخو الحرب المجرب عائد
نهـتـهـم سـيوف الهند أن يقفوا لنا … غـداة الـتـقـيـنا والرماح مـصـائـد

المصادر: أعيان الشيعة: للسيد محسن الأميني سيرة ابن هشام ” السيرة النبوية “، الصحيح من سيرة الإمام علي لجعفر مرتضى العاملي
شرح ديوان الحماسة، المرزوقي جـ: 1 ص: 249 ” رثاء أخت عمر بن عبد ود ”

ومما يدل على بقاء هبيرة حياً.. أنه اعتذر عن فراره من وجه علي (عليه السلام)، فقال:
لعـمـرك ما ولــيـت ظـهراً مـحـمداً … وأصحابه جـبـناً ولا خـيفـة القــتل
ولـكـني قــلبــت أمــري فــلم أجــد … لـسـيفي غــناءً إن وقـفـت ولا نبلي
إلى آخر الأبيات…
ولعل مواجهة هبيرة لعلي (عليه السلام) ولو للحظات جعلته يستحق وسام فارس قريش وشاعرها.

ويؤيد قولهم بأن الفرسان قد هاجموا علياً بعد قتله عمرواً، قوله (عليه السلام):
أعــلي تــقـتـحم الـفــوارس هـكــذا … عــني وعـنهـم أخـــروا أصحابي

وللعلامة الأديب السيد مهدي القزويني المتوفى سنة ١٣٦٦هـ /١٩٤٧م:
… ولكــم كفــى الله القتــالَ بــسيفهِ الـــ
إسلام يوم الخندق الـمشـهـودا
أردى بــها عـــمر بـن ود بـضـربة … قــد شــيدت ديـن الهدى تشيدا

للحاج محمد رضا الأزري:
ومشى يــطـلـب الصفـوف كــما … تمــشي خـماص الحشا إلى مـرعاهـا
فانـتـــضى مـشـرفــيه فــتـلـــقى … ساق عـــمــرو بــضـــربة فــــبراهـا
وإلى الحــــشر رنة السيف منه … يـــمــلا الخــافـــقــين رجـــع صـداها
يا لـها ضـربة حــوت مكرمات … لم يــــزن ثــقــــل أجـــرها ثــقــــلاها
وللأديب الكبير الشيخ محمد محسن أبو المحاسن:
وصبت على الأحزاب منك بوائق … أعدن بهـم ليل الـنوائـب ألــيــلا
غداة الـتقى الايـمان بالـشرك كـله … فـشد قوى الإسلام مشيك مـرقلا
تسوق لعـمرو وهو فارس يـلــيـل … صروف المنايا والحمام المعجلا
فخر لوجه الأرض بركب ردعــه … صـريعاً به قد هد سيـفـك مجدلا

العلامة الشيخ محمد السماوي:
يا جامعا شمل الهدى ومفرقا … بالسيف يوم الخندق الأحزابا
جدلت عمراً حين أقبل معلما … متــسربلاً زبـر الـحديد ثـيابا
***********
وفي الورقة الثانية نذكر ما ورد من الشعر في ضربة اللعين بن ملجم لأمير المؤمنين علي عليه السلام. لكننا نفتح ورقتنا برثاء الصحابيين الجليلين أبي الأسود الدؤلي وصعصعة بن صوحان.
أنـشد أبو الأسود الـدؤلي‌ّ في‌ رثاء عـلي‌ّ عليه السلام:
أَلاَ يَا عَيـْـنُ وَيْحـَـكِ أَسْـعـِـدِيـنَا … أَلاَ تَبـْكِي أَمـِيرَ الـمُؤْمِـنِـيـنَا
وَتَــبْـكِـي‌ أُمُّ كُــلْــثُــومٍ عَــلَيْــهِ … بِعـَبْـرَتِهـَا وَقَـدْ رَأَتِ اليـَقِـيـنَا
أَلاَ قُـلْ لِلْـخَـوَارِجِ حَيْـثُ كَانُوا … فَلاَ قَـرَّتْ عُـيـُونُ الحَاسِـدِيـنَا
أَفِي‌ الشَّهْرِ الصِّيَـامِ فَجَعـْتـُمُونَا … بِـخـَيْـرِ الـنَّاسِ طُـرَّاً أَجْمَعِينَا
قَـتـَلْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَـطَايَا … وَذَلَّلَـهَا وَمَـنْ رَكِبَ الـسَّـفِـيـنَا

شعر الصحابي الجليل صعصعة بن صوحان العبدي البحراني في رثاء الإمام علي عليه السلام
بــكــيـــتـك ياعــلي بــدر عــيـنـي … فـلم يـغـني اـلـبكاء عـلـيك شــيا
كــفــا حــــزنا بـدفـــنـك ثـم إنــي … نـفـضت تـراب قـبرك من يـديا
وكــانـت في حــياتـك لي عظات … وأنـت الـيوم اوعــظ مـنـك حـيا
فــيا أســفاً عــلـيك وطول شوقي … إلا لـــــو أن ذلــــك رد شــــيـــا
ولو سـمع الـردى مـني نـشـيجي … لــما نــــزل الــــردى إلا عـلــيا

ولـبكـر بن حماد الـتاهـرتي شاعر المغرب الأوسط يرد على عمران بن حطان
قــــوله فــي شـقـيٍ ظـلّ مـجـترما … ونـــال ما نــاله ظــلــما وعـــــدوانا
” يا ضربةً من تـقـيٍّ ما أراد بــها … إلا لـيـبـلغ من ذي الـعـرش رضوانا ”
بل ضــربةٌ من غويٍّ أوردته لظىً … فـسوف يـلـقى بها الـرحمن غضبانا
كـأنّه لم يــرد قـصداً بـضـــربــتــه … إلا لـيـصلى عــذاب الـخــلـد نـيرانا
وللعلامة الأديب السيد مهدي القزويني المتوفى سنة ١٣٦٦هـ /١٩٤٧م:
ولكـم أطــال إلى الإلـه سـجــودا….وافــاه في الـمحـراب صبحا ساجداً
فـســتـل مــرهــفــه وهــدَّ بــحـــده ….حــصـناً عـلى ديـن الهدى ممدودا
فأصـاب طلـعـته الشــريفة خاضباً … مـنــها كــريــمـتــه دما خــنـديـــدا

وقال السيد صالح النجفي القزويني (ره) في قصيدته:
تــالله لا أنـــسـاه في مـحــــرابـه … لله يــسـجـد في الظـلام ويـــركع
وجـلا ابن ملجم والظلام مجلـل … ســيــف الــمـنــية والـبرية هجع
وقــضى عليه به وقــنع رأسه … لله رأس بـــــالــــحـــــسام مـقـنع

وللشيخ عبدالحسين شكر:
للَه يــــوم لــه أغــــرت قـــــطـــام بـــه … أشــقــى مـراد فــكـانـــت عـبـرة الــعـــبـر
شــق المــفــارق مــن قــوم بــضــربـتـه … قــد شــق فـرق الهـدى والمـجـد والخـطـر
لهــفــي لشـــبــلــيــه كــل قــائــلٍ ولـهــاً … مـن بـعـد جـــودك فـي الــدنـيـا لمـفـتـقـر
مــن بــعــد فــقــدك مــأمــول لذي أمــل … ومـــن عـــقـــيـــبــك مــذخــور لمــدخــر

وللحاج علي البغدادي:
هــذا ابــن مـلـجم قــد أردى أبــا حـسن … أهل درى اليوم من أردى ومن صرعا
مـــا نــالـه ســيـف أشـقـاهـا بـضـربـته … لـكـنـما صــنـع الـمـقـدور مـــا صـنـعـا
وكـيـف بـالـسيف مــا فـلـت مـضـاربه … إذا تــسـاقـط دون الـمـرتــضـى قــطـعـا
سـيـف أصـيـب بــه رأس الـوصي لـقد … أصــاب قـلـب الـهدى والـعـلم والـورعا
وللعلامة الشيخ محمد السماوي:
يا ضربة للـدين هـدت جانبا … وله أمــاتــت ســنــة وكـتـابا
فــنعـاه جــبريل بلوعة ثاكل … لو لاقت الصخر الأصم لذابا

وللأديب الحاج محمد رضا الأزري:
فيا هل درى الإسلام أن زعيـمه … لقى حـوله جـبريل يـنعى فـلا نـعـى
وأن عـماد الـدين بان عــمـيـدهـا … وودعــها داعي الــهـدى يــوم ودعا
و يا هـل درى المختار أن حبيبه … بــسـيف عــدو الله أمــسى مــقــنـعـا

للسيد جعفر الحلي:
عاقِــرُ الـنّــاقــةِ مع شـقْــوَتـِهِ … لـَيسَ بِالأشـقَى مِـن الرِّجـسِ الـمُرادي
فــلَــقــد عَـمَّــمَ بِالـسَّـيــفِ فَتى … عَـــــمَّ خَـــلْــقَ اللهِ طُــــرّاً بِالأيــــادي
فـبَــكَــتْهُ الإنـسُ والجِــنُّ مـعاً … وطــيــورُ الــجــوِّ معْ وَحـشِ الــبَوادي

للسيد مهدي الأعرجي:
أسـمَــعُ في الأفــق لجـبيـرل نـِـدا … تــهـــدَّمــــتْ واللهِ أركـانُ الـــهـــدى
يـنـعى أمـيـرَ الـمؤمـنـينَ حــيدراً … ينعى التّقى يَنعى الحِجى ينعى النَّدى
يـنـعـاهُ مـضروباً على هامَـتِـه … عــلــيه صلّى الــسيــفُ لــمّا سَـجَــد

وللسيد حيدر الحلي:
لــقـد أراقـــوا لـيلــة الـقـــدر دماً … دمــاؤها انـصـبـبن بانـصـبابـــه
تـــنــزل الـــروح فــوافى روحه … صــاعــدة شـــــوقاً إلى ثــوابـــه
قـــتــلــتُـم الصــلاة في مــحرابها … يـا قــاتــلــيه وهـو في مـحرابـه
وشق رأس العدل سيـف جوركم … مـذ شــق مـنه الـرأس في ذبـابـه
فـلـيـبك “جـبريل” له ولـينـتحب … في الــملأ الأعــلى عــلى مـصابه

وللسيد عباس الموسوي الخطيب:
فـشـامه وهـو في المحراب مـجـتـهــداً … يـطــيل لله فــيه سـجــدة الـشكــر
حــتى إذا ما دنـا الــمــقـدار عــمــمــه … بـضربة قـد جـرت فيها يد الـقدر
فــشـج رأس الـتـقى الـعـلم فانحــدرت … دماه تـجري كـسيل سال من حدر
فاحمـر وجه الـسما للمرتضى غـضباً ….وكاد قطب السما يهوى مع القـمر

وللشيخ عبدالمنعم الفرطـوسي:
أعـظـم بـيـومك يـوماً لا يـمـر بـنا …. إلا وجـددت الأحــزان ذكــراه
يـوم أطــل على الـدنـيا فـروعها … وطـبَّــق الكــون أدنــاه وأقــصاه
يـوم بـه مفــرق الإســلام قـنــعه … بسـيفــه الـشرك حتى شـق أعلاه

ويلخص الشاعر الكبير جاسم الصحيح هذه الضربة:
لا بُـورِكَـتْ في الحُـبِّ صفـقـةُ عاشـقٍ … تَشْـرِي (قَطَامَ) بِــلَعْنَةِ (ابْنِ مُـرَادِ)

اترك رداً