علي أفضل وأكمل إنسان

img
سيد جواد المهري
0 الوسوم:, ,

سيد جواد المهري

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام شخصية متميزة واستثنائية من جميع الجوانب، حيث لا تستطيع أن تجد في العالم نظيراً له.

ولو نبدأ من بداية وجود أمير المؤمنين عليه السلام على الأرض فنراه قد وُلد في الكعبة، أقدس بقعة على وجه الأرض، حيث لم يولد قبله ولا بعده أحدٌ في وسط الكعبة. وأما استشهاده فكان في وسط المسجد وأي مسجد؟ مسجد الكوفة، وهو من المساجد الأربعة المقدسة، أي أن علياً ترتبط حياته من البداية إلى الخاتمة ببيت الله وأقدس مكان على وجه الأرض.

وعلي خلال هاتين النقطتين: الكعبة والمسجد تنحصر حياته المباركة في الجهاد والصبر لوجه الله وإعلاء كلمة الله ومحاربة أعداء الله وتعليم الناس وتزكيتهم والحركة في مسير رضا الله تبارك وتعالى حتى يصل الأمر الى أن يقول في حقه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: « علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار » ومعنى ذلك أن الحق يدور حول علي لا أن علياً يدور مدار الحق. وبعبارة أخرى: كل عمل يعمله علي فهو حق وكل أمر لم يقبله علي فهو باطل. أي أن علياً ميزان الحق والباطل ومعيار الصواب من الخطأ، فإذا أردت أن تعرف مواضع الحق فعليك باتباع علي، وإذا أردت أن تعرف مواضع الباطل فانظر الى أعمال أعدائه و مناوئيه.

وفي كلمة واحدة أستطيع أن أقول بأن علياً جامع الأضداد:

ففي الوقت الذي نراه يتسلط على كامل الأراضي الإسلامية الممتدة آنذاك من أقصى الشرق إلى مصر وأفريقيا، فإنه يعيش حياة زاهدة بسيطة مثل حياة أقل الناس معاشاً ومالاً. يعيش في بيت صغير كالكوخ وعلى بساط خشن ويلبس ثياباً متواضعة بالرغم من أنها نظيفة ويقتنع بأكل أقراص من الشعير ويمتنع عن الملذات الدنيوية لأنه حاكم ويريد أن يكون في مستوى أبسط الناس وأفقرهم وهو يقول: « وإنكم لا تقدرون على ذلك» وفي الوقت نفسه نراه في مصافّ المعركة مع الأعداء يضرب يمنة ويسرة ، لا يخاف الموت ولا يخشى من كثرة الأعداء ولا قوتهم لأنه يريد إقامة العدل والحق بين العباد .. فعندما يطلب أشجع العرب مبارزاً يبارزه يقوم هذا الرجل العظيم دون مبالاة بالموت ولا من قوة الطرف الآخر فيصارعه بقدرة كبيرة ويصرعه ويقضي عليه حتى يأتي النداء من جبرائيل عليه السلام: « لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار» هذا السيف الذي يقطر دماً من محاربة أعداء الله ورسوله.
يقول في ذلك حسان بن ثابت، شاعر الرسول:
جبريل نادى معلنا ***** والنقع ليس بمنجلي
والمسلمون قد أحدقوا ***** حول النبي المرسل
لا سيف إلا ذو الفقار ***** ولا فتى إلا علي

وهذا الشجاع البطل الذي يخشى من الاقتراب إليه أشجع شجعان العرب، تراه يبكي في سواد الليل خشية من ربه العظيم، ولا ينام من الليل إلا قليلاً ويمضي ساعاته الأخرى في الصلاة والاستغفار والدعاء والبكاء خشية الله وتقرباً إليه جلت قدرته.

هذا الأسد المقدام عندما تتسارع خطاه في جنبات المعركة لمقاتلة أعداء الله، عندما يسمع أن بنتاً من أهل الكتاب نصرانية قد خلع أحد جنود المسلمين خلخالاً من رِجلها وسرقه، يتمنى الموت ويقول حق أن يموت الإنسان ولا يسمع بمثل هذا الظلم على ذمية. هكذا يتبرأ الإمام من أن يظلم أحدٌ مسيحية تعيش بين المسلمين ولا يرضى بذلك أبداً، فكيف بمن يقتل المسلمين وغير المسلمين لأنهم ليسوا على مذهبه أو لا يتبعون منهجه أو لا يسيرون على هواه.

و هذا البطل الشجاع عندما يصبح حاكماً يأتيه أخوه الضرير الأعمى عقيل ويطلب منه شيئاً بسيطاً أكثر من غيره من بيت مال المسلمين لأنه ذو عائلة كبيرة ولا يستطيع أن يعمل فهو لا يبصر، ولكن علياً لم يرض من هذا الطلب فيحمي حديدة ويقربها من جسم أخيه ليئن ويصرخ ثم يقول له: « يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه و
تجرني إلى نار سجّرها جبارها لغضبه؟ أتئن من أذى ولا أئنّ من لظى».

وأكثر من هذا أنه عندما يأتيه رجل يريد أن يتوسط إليه وهو الحاكم المطلق فيأتيه بطبق من الحلوى ويقول إنه هدية فيغضب عليٌّ بشدة ويقول له: «أ عن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبطٌمجنون أنت؟ أم ذو جِنة أم تهجر؟ والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جِلب(قشر) شعيرة ما فعلته. وإن دنياكم عندي أهون من ورقة في فم جرادة تقضمها. ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى ؟»
فكيف بالذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويخضمون مال الله خضمة الإبل نبت الربيع دون مبالاة ولا اهتمام ولا شعور بأكل الحرام ملايين وملايين؟! تباً لهم و تعسا.

والله يشعر الإنسان بالحقارة والذل عندما يتتبع مسيرة حياة هذا الإنسان العظيم الذي لا يوجد له مثيل في العالم. حقاً إنه عظيم العظماء، نسخة مفرَدة لم يَرَ لها الشرقُ ولا الغرب صورةً، لا قديماً ولا حديثاً.
ويقول ابن أبي الحديد:“انظرْ إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها، وتُملّكه زمامها، فسبحان الله مَن منح هذا الرجلَ هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة، أن يكون غلامٌ من أبناء عرب مكّة لم يخالط الحكماء، وخرج أعرفَ بالحكمة من أفلاطون وأرسطو.. ولم يعاشر أرباب الحِكَم الخُلقيّة، وخرج أعرفَ بهذا الباب من سقراط.. ولم يُربَّ بين الشجعان، لأنّ أهل مكّة كانوا ذوي تجارة، وخرج أشجعَ مِن كلّ بشرٍ مشى على الأرض.“
ويقول الفخر الرازي:“مَن اتّخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه.. ومَن اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قوله عليه السّلام أي النبيّ صلّى الله عليه وآلهاللهمّ أدرِ الحقَّ مع عليّ حيث دار.“
وأما عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام فإنها أيضاً منحصرة بشخصه الكريم حتى أنه دخل أبو جعفر عليه السلام على أبيه الإمام زين العابدين عليه السلام فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه وقد اصفر لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء (أي احترقت)، ودبرت جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وقد ورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، فقال أبو جعفر عليه السلام: فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء، فبكيت رحمة له، فإذا هو يفكر، فالتفت إلي بعد هنيئة من دخولي فقال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً، ثم تركها من يده تضجراً وقال: من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام . أي أن عبادتي لا تصل إلى درجة عبادة علي.
وقد قال في حقه الشاعر:
هو البكّاء في المحراب ليلا * هو الضحاك إذا اشتد الضِّراب

أي أنه كثير البكاء في الليل عندما تنام الأعين
ويضطجع الناس في أسرّتهم ليرتاحوا إلا أن عيون علي مفتحة باكية من خشية ربه، يقضي ليله بالصلاة والقرآن والذكر وهذا العابد الزاهد عندما يتوسط صفوف المعركة يستبشر ويضحك لأنه لا يخشى الأعداء مهما كثروا .يقول عليه السلام : « والله لو اجتمعت العرب على قتالي لما وليت عنها مدبرا » لأنه لا يخاف الموت في سبيل الله . يقول : « والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه» ولماذا يخاف الموت رجلٌ يعرف أن كل لحظة من حياته يقضيها في سبيل إعلاء كلمة الله والدفاع عن المظلومين والنضال ضد الظالمين والمستكبرين. وحتى حين يضربه أشقى الأشقياء ابن ملجم لعنه الله يقول: « فزت ورب الكعبة».

وربما يتخيل القارئ أن علياً متهور لا يخاف الموت، أبداً ليس كذلك، علي يغشى ميدان المعركة لكي يدعو الناس إلى دين الله وإلى نبذ الجاهلية واتباع الحق. يقول: « فو الله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا أرجو أن تهتدي بي طائفة وتعشو إلى ضوئي وتهتدي إلى نوري وضوئي مثلما تهتدي الفراشة إلى نور الشمعة،
وذلك أحب إليّ أن أقاتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها» وهكذا يتبين للمتتبع سيرة علي أنه يعمل كل ما في وسعه لهداية الناس إلى الصراط المستقيم .. ونأمل أخيراً أن نهتدي إلى سبيله ومنهجه ليكون اتباعنا عن بصيرة ويرضى عنا رب العالمين والسلام على من اتبع علياً وأهل بيته الكرام، عليهم أفضل الصلاة والسلام .
ونقدم تعازينا الحارة إلى مولانا وإمامنا حجة الله في الأرضين عجل الله فرجه وإلى جميع المؤمنين في كل بقاع الأرض وإلى جميع الأحرار في التاريخ، لاستشهاد هذا الضرغام العظيم في محراب العبادة وأثناء الصلاة وهو في حال الصيام روحي فداء اسمه وجسمه ، وصلوات الله وملائكته وأوليائه وأنبيائه عليه وعلى روحه الزكية.. فاز ورب الكعبة من تمسك به وخاب والله من تخلى عنه.

اترك رداً