يقول خبير أمراض دم إنه وجد سبب لماذا بعض لقاحات كوفيد- 19 تسبب جلطات دم نادرة

img

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

مقدمة غسان علي بوخمسين

منذ انتشرت الأخبار عن حصول تجلطات خطيرة ونادرة الحدوث VITT بين من تلقوا لقاح استرازينيكا في الفترة بين نهاية فبراير وبداية مارس الماضيين، بدز الناس بالتفاعل معها، وأصبح اللقاح وما يتعلق به حديث الساعة ومحور الاهتمام.

من الأيام الأولى للحدث، استُنفر الباحثون المهتمون والمختصون لمعرفة السبب الكامن وراء هذه التجلطات وفهم الميكانيكية التي تحدث بها، مما لذاك أهمية كبرى لمنع حصولها إن أمكن، أو وضع آلية للتقليل منها على أقل تقدير.

في هذين الشهرين طُرحت نظريات عديدة حاولت شرح المشكلة، فقد أظهر بحث ألماني أن العملية ربما تكون استجابة مناعية نادرة لدى البعض، تتسبب في نقص شديد في الصفائح الدموية نتيجة لتكتلها وتسبيبها بتجلطات دموية في الأوردة، وقد شبهها بعض الباحثين بحالة مرضية معروفة تحصل عند بعض من يتلقون مسيل الدم الهيبارين HIT، وهذا أعطى بعض التفسيرات الضرورية لكشف الغموض الكبير الذي كان يلف القضية، لكن مايزال السبب الرئيس والمحفز الأول وراء هذه الاستجابة المناعية النادرة غامضاً وغير معروف، ويعتبر ذلك السبب عنصراً مهماً في محاولة الباحثين إيجاد حل لهذه المشكلة العويصة.

البحث المترجم أدناه هو لنفس الفريق الألماني الذي خرج بالفرضية الأولى، وأشار الفريق البحثي الى ان أصابع الاتهام ربما تتجه نحو أحد المكونات في اللقاح، وهو ما يعرف اختصاراً ب EDTA بكونه هو الذي يحفز بروتيناً خاصاً عل سطح صفائح الدم PD4، وهو ما يُظن أنه بداية سلسلة تكوين هذه التجلطات الدموية. بطبيعة الحال هذه الفرضية ليست ناجزة او مؤكدة، بل مازالت تحت البحث والتحقيق والمداولة بين القائمين على الدراسة للتثبت منها، بل أن الفريق البحثي يحاول التواصل مع مصنعي اللقاحات المشابهة لأسترازينكا مثل جونسون أند جونسون، لمعرفة المكونات الدقيقة للقاحات وفهم طرق التصنيع بشكل أعمق، لأن ذلك مهم في فهم الآليات المحتملة التي قد تسبب مثل هذا التحفيز ، لكن ذلك التعاون المرجو مع الفريق البحثي قد لايسير كما هو مرجو، بسبب احتمال إحجام بعض الأطراف المصنعة للقاحات عن التعاطي بشفافية مع الفريق البحثي، مما قد يضع عراقيل، مما من شأنه أن يؤخر العمل الجاري.

نرجو أن تتعاون جميع الأطراف ذات العلاقة بشكل وثيق وشفاف للوصول إلى حل ناجز وكامل لهذه المشكلة، لأن فيه إنقاذ لأهم أنواع اللقاحات، التي يُرجى أن يكون من ضمن اللقاحات التي تتبناها منظمة الصحة العالمية، فبدون حل مشكلة التجلطات الناتجة عن التطعيمات، وتزايد المخاوف والإحجام عن تلقيها حول العالم، ستصاب الجهود الدولية لتطعيم سكان العالم بنكسة كبيرة وإخفاق واضح، وهذا ليس من مصلحة أحد بطبيعة الحال.

البحث المترجم

من شأن معرفة أسباب الجلطات الدموية النادرة والقاتلة أن يساعد المرضى والأطباء على تقييم مخاطر اللقاح.

يتسابق الباحثون في جميع أنحاء العالم على معرفة أسباب لماذا تؤدي لقاحات كوفيد-19 من استرازانكا – AstraZeneca AZN 0.29٪ PLC وجونسون آند جونسون Johnson & Johnson JNJ 0.15٪ إلى حدوث تجلطات دم نادرة ولكنها قاتلة.

تحديد العلاقة بين اللقاح وحدوث التجلطات سيساعد المرضى والأطباء والسلطات الصحية على تقييم أفضل لأي مخاطر قد تشكلها اللقاحات وعلى ضبط استخدامها بأمان. في الأسابيع الأخيرة، أوقفت الولايات المتحدة ومقاطعة أونتاريو الكندية والعديد من الدول الأوروبية بما فيها النرويج والدنمارك طرح هذه اللقاحات للاستعمال مؤقتًا أو أوقفتها تمامًا.

“معرفة سبب التجلطات الدموية هو من الأمور الأكثر أهمية بالنسبة للجيل القادم من اللقاحات، لأن الفيروس التاجي [المستجد] سيبقى معنا، ومن المرجح أن يصبح اللقاح موسميًا”. كما قال إريك ڤان غورب ، البرفسور في جامعة إيراسموس Erasmus في هولندا الذي يرأس مجموعة من الباحثين الذين يدرسون الحالة.

في ألمانيا، يعتقد أحد الباحثين أنه وجد ما يؤدي إلى حدوث الجلطات الدموية. يعتقد أندرياس غرينشر Andreas Greinacher، خبير في أمراض الدم وفريقه في جامعة غرايفسفالد Greifswald أن ما يسمى بلقاحات النواقل الفيروسية – التي تستخدم فيروسات البرد (الرشح) المعدلة غير الضارة، والمعروفة باسم الفيروسات الغدائية adenoviruses، لنقل المادة الجينية إلى متلقي اللقاح لمحاربة فيروس كورونا – يمكن أن تسبب استجابة مناعة ذاتية تؤدي إلى تجلطات دموية. وفقًا للبروفسور غرينشر، يمكن ربط ردة الفعل هذه ببروتينات شاردة stray proteins ومواد حافظة وجدوها في لقاح استرازنكا AstraZeneca.

بدأ البروفسور غرينشر وفريقه للتو في فحص لقاح جونسون آند جونسون ، لكنهم تعرفوا على أكثر من ألف بروتين في لقاح استرازنكا AstraZeneca المشتقة من الخلايا البشرية، بالإضافة إلى مادة حافظة تُعرف باسم حمض إيثيلين ديامينتتراسيتيك، أو EDTA. فرضيتهم هي أن EDTA، يستخدم بشكل شائع في الأدوية والمنتجات الأخرى، يساعد تلك البروتينات على الشرود في مجرى الدم، حيث ترتبط بمكون دموي يسمى عامل الصفائح الدموية 4 ، أو PF4، مكونةً مركبات complexes تنشط إنتاج الأجسام المضادة.

الالتهاب الناجم عن اللقاحات في وجود مركبات PF4 ، قد تخدع الجهاز المناعي وتجعله يعتقد بأن الجسم قد أصيب ببكتيريا، مما يثير آلية دفاعية عتيقة تخرج عن نطاق السيطرة وتسبب تجلطًا ونزيفًا.

يبحث البروفسور أندرياس غرينشر في السبب المحتمل للاستجابة المناعة الذاتية التي تؤدي إلى تجلط الدم.

قارن البروفسور غرينشر تنشيط الاستجابة الخاملة – التي أُزيحت أثناء تطور الجهاز المناعي البشري، لكنها لا تزال مترصدة في أساس الجهاز – حتى “توقظ التنين النائم”.

قال البروفسور جون كيلتون Kelton من جامعة ماكماستر في كندا، والذي تدير مجموعته مختبرًا مرجعيًا في كندا لفحص المرضى الذين يعانون من أعراض تخثر الدم بعد التطعيم، إن المختبر كرر بعضًا من أبحاث البروفسور غرينشر وأكد النتائج التي توصل إليها.

ومع ذلك، السبب كان غير واضح. فرضية “برفسور غرينشر” قد تكون صحيحة، لكنها قد تكون خاطئة أيضًا “، كما قال البروفسور كيلتون.

يعمل البروفسور غرينشر على تأكيد نظريته، أملًا التعاون من جانب مصنعي اللقاحات. اختبر فريقه لقاحات استرازنكا AstraZeneca وتلقى للتو جرعات من جونسون آند جونسون Johnson & Johnson. تتفاوض جامعة غرايفسفالد الآن مع مصنعي الأدوية بشأن زيادة امكانية الحصول على معلومات أكثر عن عمليات صناعة اللقاحات.

قال متحدث باسم شركة جونسون آند جونسون: “نحن نؤيد بشدة زيادة الوعي بعلامات وأعراض هذا الحدث النادر جدًا، ونقوم حاليًا باستكشاف إمكانية التعاون مع الدكتور غرينشر”.

رفعت الولايات المتحدة مؤخرًا توقفها عن استخدام لقاح جونسون آند جونسون، الذي كان يُعطى في واشنطن العاصمة، في وقت سابق من هذا الشهر.

يُعرف نوع التخثر الملاحظ باسم قلة الصفائح التخثرية المناعية التي يسببها اللقاح، أو VITT. الدراسات التي راجعتها مجموعة البروفسور غرينشر، وكذلك فرق بحثية من جامعة أوسلو وجامعة كوليدج لندن أكدت بشكل مستقل وجود هذا النوع من التخثر.

معظم المحاور العلمية التي تبحث في مشكلة التخثر، والتي تم التعرف عليهاأول مرة في مارس 2021 ، هم خبراء في حالة تسمى قلة الصفائح المستحثة بالهيبارين أو HIT ، والتي لها أعراض ومخرجات شيه متطابقة ل VITT. في حالة ال HIT، يتسبب عقار الهيبارين المسيل للدم في حدوث جلطات مقترنة بانخفاض غير طبيعي في عوامل التجلط الطبيعية في الدم.

يعتقد بعض الباحثين أن الفيروسات الغدائية نفسها يمكن أن تلعب دورًا في إثارة الحالة لأنها مرتبطة بتخثر الدم. يتكهن آخرون أن الأشخاص المصابين يمكن أن يكون لديهم استعدادات وراثية، أو أن أجهزتهم المناعية قد طورت من السابق أجسامًا مضادة مسببة للمشاكل.

نظرية أخرى اقترحها البروفسور ڤان غورب Gorp هي أن الأعراض القصيرة (المدى) ولكن القوية التي تشبه أعراض الانفلونزا التي أبلغ عنها العديد من المتلقين بعد أخذ الحقنة تسبب أيضًا التهابًا يمكن أن يؤدي إلى تفاقم ردود أفعال المناعة الذاتية التي تؤدي إلى تجلط الدم

أحد أسباب عدم الإبلاغ عن التجلط الناجم عن اللقاح في الماضي هو أن الحقن التي تستخدم تقنية نواقل الفيروس لم يتم إعطاؤها على نطاق واسع. يستخدم اللقاح الروسي سباتنيك Sputnik V وحقن كانسينو بايلوجيكس CanSino Biologics من الصين نفس التكنولوجيا كالتي تستخدمها استرازنكا وجونسون آند جونسونخ، لكن لم تُربط بالحالة حتى الآن.

الحقنة الوحيدة المشابهة التي تم استخدامها على نطاق واسع قبل الجائحة هي التي كانت ضد الإيبولا انتجتها شركة جونسون آند جونسون، والتي أعطيت لما لا يقل عن 60 ألف شخص اعتبارًا من يوليو الماضي 2020.

التجلط يحدث في واحد بين كل 28 ألف وواحد من كل 100 ألف، وفقًا للبيانات الأوروبية – وهو نادر للغاية وسط مئات الملايين من الجرعات التي تم إعطاؤها حتى الآن، ومع ذلك فهي أعلى من واحد في 150 ألف التي افترضتها سابقًا بعض السلطات الطبية، كما قال البروفيسور غرينشر. معظم المئات الذين شُخصوا بالفيروس تعافوا منه، لكن فقد مات ما بين خُمس المصابين وثلثهم ، وقد يعاني آخرون من تبعات دائمة.

تشير البيانات من الهيئات التنظيمية الأمريكية والأوروبية حتى الآن إلى أن الشابات يتأثرن بشكل أساسي بهذه الحالة. لكن العديد من الباحثين، بما في ذلك سابين إيشينغر Sabine Eichinger، أخصائية أمراض الدم النمساوية التي عالجت أحد أوائل المرضى المعروفين، قالوا إن التساوق يمكن أن يعكس أن العاملين في المجال الطبي والمعلمين كانوا من بين أول من حصل على اللقاحات في أوروبا، ومعظمهم من الشابات.

قال البروفسور إيشينغر إنه لا يوجد ما يشير إلى أن تناول حبوب منع الحمل أو وجود تاريخ من الأمراض المماثلة يعرض متلقي اللقاح لخطر أكبر.

أنطون بوتيغارد Anton Pottegård، برفسور علم الوبائيات الدوائية في جامعة جنوب الدنمارك ، المشارك في تأليف دراسة أكثر من 280 ألف شخص في الدنمارك والنرويج تلقوا لقاح استرانزكا AstraZeneca. ووجدت الدراسة، التي نشرت في المجلة الطبية البريطانية في 5 مايو 2021، أن حدوث جلطات دموية نادرة ولكنها شديدة بين متلقي اللقاح كانت 2.5 في 100 ألف شخص.

وأضاف البروفسور بوتيغارد أن دولًا كالدنمارك والنرويج، التي توقفت هذا الأسبوع عن استخدام لقاح الاسترزنكا AstraZeneca وتبرعت بجرعاتها إلى دول أخرى، تمكنت من تغيير خططها للتلقيح لأن لديها جرعات بديلة ومعدلات إصابة منخفضة. وحذر من أن فعل الشيء نفسه في البلدان التي تتنشر فيها الجائحة، كالهند أو البرازيل ، قد يؤدي إلى المزيد من الوفيات.

قال البروفسور غرينشر: “إن كوفيد-19 أخطر بكثير من حالة التجلط هذه النادرة للغاية”.

الكاتب عدنان أحمد الحاجي

عدنان أحمد الحاجي

مواضيع متعلقة

اترك رداً