الزيارة الأربعينية الـمليونية.. مضامين ودلالات

img

عبدالفتاح أحمد العوض 

يحتشد ملايين المحبين في كل عام في تجمع بشري قل نظيره متوجهين نحو كربلاء الحسين من كل حدبٍ وصوب، هذه التظاهرة المليونية تحطم سنوياً جميع الأرقام العالمية في مستوى الحضور والتفاعل والبذل لإحياء هذه الشعيرة الدينية التي أصبحت سمة بارزة من سمات التشيع، ومهما حاولنا وصف هذه الظاهرة وتجلياتها وعظمتها التي أعجزت كل قلم وحيرت كل عقل فلن نصل إلى ذلك سبيلا. إنها أيام من أيام الله الخالدة تزحف فيها قلوب العاشقين قبل أقدامهم نحو جنة الحسين، لا يمنعهم من الوصول لمعشوقهم عجزٌ أو مرضٌ أو إعياءٌ أو أخطارٌ تهدد حياتهم. من يسير مع تلك الملايين بين النجف الأشرف وكربلاء المقدسة يشعر فعلاً أنه في يوم المحشر يتحرق شوقاً لتُفتح له أبواب الجنة ونعيمها مع الفائزين بالرحمة ورضوانِ ربِ العالمين.

تُرى ما سر هذه الظاهرة الفريدة والحضور المليوني الذي أبهر العالم؟!

ما الذي يدفع كل هذه الحشود المليونية لقطع عشرات الكيلومترات مشياً بكل شوق ولهفةٍ نحو كربلاء، لا يمنعهم عن السعي والمشي نحو معشوقهم خطر داهم ولا عدو يتحين الفرص للنيل منهم وإرعابهم وإرهابهم؟!

إنه سر من أسرار الحسين وخصوصياته الكثيرة التي لا أجد تفسيراً لها إلا أن هذه الحشود من المشاة تستحضر في تلك اللحظات مسيرة الحسين عليه السلام مع أصحابه بين مكة المكرمة والكوفة المعظمة، وقولة الإمام عندما غفى للحظات سمع فيها منادياً ” القوم يسيرون والمنايا تسير معهم ” فلما انتبه الإمام استرجع مرتين أو ثلاثاً قائلاً: ” إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين “، فأقبل إليه ابنه علي الأكبر فقال: ممَ حمدتَ الله واسترجعت؟ قال : يا بُني، إني خفقت خفقة فعنَّ لي فارس على فرس وهو يقول : القوم يسيرون ، والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نُعيت إلينا، فقال له: يا أبتِ، لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحقّ؟ قال : بلى، واللهِ الذي إليه مرجع العباد، فقال الأكبر: فإنّنا إذاً ما نبالي، أن نموت محقين، فقال له الحسين ( عليه السلام ): جزاك الله من ولدٍ خير ما جزى ولداً عن والده.

وجزى الله الشيخ حسن الدمستاني رحمة الله عليه خير الجزاء الذي أبدع في وصف هذا المشهد في قصيدته الخالدة عندما قال:

 يحسبـون   البـيض   إذ  تلبـس  فيض  القللِ   * *

   بيـض   أُنـسٍ    يتــمايــلـن   بحــمـــر   الحــــللِ

فيـذوقـون    المنــــايـــا    كـمـــذاق    الـعـســلِ    * *    شاهدوا   الجنـةَ   كشفـاً  ورأوهـا  رأيَ  عين

لا تستغربوا أبداً لماذا كل هذا البذل والعطاء والإستماتة في المشاركة السنوية في هذه التظاهرة المليونية، لمختلف فئات المجتمع القوي منهم والضعيف، والغني والفقير، والطفل والشاب والكبير، والقوي منهم والعاجز المريض. إنهم رأوا الجنة أمامهم فهبواً مسرعين نحوها لا يمنعهم من الوصول لمبتغاهم أي مانع، ولا يمكن أن يحول بينهم وبين السير نحو الجنة عراقيل أو صعوبات مهما بلغت شدتها.

وحركة بهذا الحجم وبهذا الزخم يجب أن تُدرس للأجيال وتُطرح للبحث والتحليل، للإستفادة من عطاءاتها الإنسانية وتأثيراتها المعنوية، لا أن يركز البعض على توجيه سهام النقد اللاذع لها، ويسلط كل طاقاته في إثارة بعض الإشكالات والسلبيات التي تكاد لا تُذكر مقابل العطاءات المادية والروحية الكبرى التي تصاحب هذه التظاهرة الحسينية العالمية.

إنها ظاهرة مرتبطة بسيد الشهداء أبي عبدالله الحسين عليه السلام وكفى، وهو الإمام المُلهِم الذي غير مسار التأريخ بثورته وشهادته المباركة، هل لنا أن نتصور مدى الأبعاد الإنسانية والأخلاقية التي يحملها قلب امرأة فقيرة معدمة تفتخر بأنها تحرص طوال السنة على جمع بعض المال القليل، لإقامة موكب صغير في طريق المشاية لتقديم بعض المأكولات والماء البارد لزوار الحسين (ع)، هذا نموذج بسيط جداً من الكنوز والآثار المعنوية التي تشتمل عليها الزيارة الأربعينية، وهناك كم هائل ونماذج مشرقة من صور البذل والعطاء والإيثار والتضحية بالمال وإرخاص النفس وتجاوز الصعاب الجسدية والمادية في سبيل إحياء ذكر الحسين، وتقديم الغالي والنفيس حباً وكرامةً لسيد شباب أهل الجنة ولزواره المرهقين اللاهثين صوب كربلاء وجنة الحسين.

الشواهد كثيرة على ما تشتمل عليه الزيارة الأربعينية من دلالات ومعاني إنسانية رفيعة، فمنها المضامين العقائدية والتي تتجلى في حرص المواكب الحسينية على إقامة صلاة الجماعة بحضور لافت للعلماء وطلبة العلوم الدينية، وتنظيم برامج مكثفة للإرشاد الديني ونشر علوم أهل البيت وتعليم المسائل الشرعية والرد على الإستفتاءات الفقهية والعقائدية وغير ذلك. كما يحرص بعض مراجع الدين وكبار العلماء على المشاركة في طريق المشاية، مما أعطى زخماً روحانياً وغطاءً شرعياً لهذه الزيارة التي تتوجه فيها الأمواج البشرية المليونية صوب كربلاء ومهوى العاشقين. ومن أبرز الشخصيات العلمائية التي كانت تحرص على المشاركة الرمزية في الزيارة الأربعينية المرجع الكبير الراحل سماحة السيد محمد سعيد الحكيم قدس الله روحه، الذي كان يحرص على المشاركة في ركب السائرين مشياً على قدميه المثقلة بفعل تقدم العمر والمرض.

تتجسد في مسيرة وزيارة الأربعين أروع صور القيم الأخلاقية والسجايا الحسينية من خلال التواصل الإنساني بين ملايين البشر مع اختلاف أعراقهم وجنسياتهم ومستوياتهم الإجتماعية، لا فرق بينهم ولا تمييز فالجميع سواسية في حب الحسين.. العالم منهم والطبيب والمهندس والكادح البسيط،شعارهم جميعاً خدمة الحسين، يتفانى الجميع في تقديم جميع الخدمات للزائرين ويؤثرون غيرهم على أنفسهم بدون مقابل رضاً لله ورسوله وقربةً إلى أبي عبدالله الحسين. ولا بد هنا من التنويه بمناقبية الشعب العراقي الكريم والمعطاء الذي يستنفر كل فردٍ من أفراده في أيام الأربعينية لتقديم خدمات مجانية بكل محبة لزوار الحسين، إنهم قومٌ وهبهم الله حب الحسين فسخّروا كل طاقاتهم وما يملكون لإحياء هذه المناسبة العظيمة.

مناسبة كبيرة واجتماع مليوني حاشد في فترة زمنية محدودة جداً تُنظم سنوياً بجهود ذاتية وبأقل تدخل أو رعاية حكومية، الباذلون في هذه المناسبة والمشاركون في إحيائها يتآزرون بجهودهم وأموالهم لرفع ذكر الحسين وتقديم هذا الإسم الشريفونهجه وثورته للعالم بأبهى صورة، ووتوافد فيها مئات المواكب العزائية التي تمثل كل الأطياف والمناطق من داخل العراق ومن عشرات الدول من القارت الخمس.

لا شك أن صدى هذه المناسبة يصل للعالم أجمع رغم محاولات التعتيم والتشويه، ولا بد أن يتأثر بها كل من يشاهد هذا الحضور ويصله هدير أصوات الصرخات الحسينية، وهذا دليل ملموس أن مدرسة الحسين باقيةٌ ما بقي الدهر، وينبغي أن نستفيد من دروسها في رفع شعار الإصلاع الذي رفعه الحسين بخروجه وثورته، وأن نلتزم بما رسمه لنا سيد الشهداء من قيم ومباديء فيها إنعاش لحياتنا وديننا وفيها سعادتنا وعزتنا في الدارين.

ختاماً أستحضر جزءاً من كلمة توجيهية لفقيد العلم والعمل المرجع السيد محمد سعيد الحكيم خلال إحدى مشاركاته في الزيارة الأربعينية والتي قال فيها:

المهم عندي التركيز على فوائد هذه الزيارة، والأمر الأول هو ثواب الزيارة وما ورد فيها من تأكيد بشكل مذهل لا يمكن أن يستوعبه الفكر، لولا أن الزمن قد كشف لنا أن هذه القضية لها أثر في بقاء المذهب، وفي بقاء الإسلام، وإلا لما كان بالإمكان أن يُصدق هذا الحديث في اليوم الأول، والأمر الثاني ما تتميز به هذه الزيارة من جمع المؤمنين من أقطار الأرض على اختلاف مشاربهم وقومياتهم ومراكزهم الإجتماعية وحالاتهم المختلفة، ويتوحدون في وحدة واحدة وهي إخوة الإيمان، مع إلغاء الفوارق، وهذا من أهم الأشياء التي أكد عليها أئمة أهل البيت عليهم السلام، وقد عثرت على رواية محترمة معظمة قريباً، وفيها يخاطب الإمام رجلاً من أهل الكوفة ويقول له: كم بينكم وبين البصرة؟ فيجيب الرجل: خمسة أيام في الماء إذا طاب الهواء، وثمانية أيام على الظهر أو نحوها، فقال الإمام: هذه المسافة ليست بعيدة.. تزاوروا بينكم. ويعلق بعدها المرجع الحكيم: في ذلك اليوم ومسافة ثمانية أيام والبصرة ليس بها إمام وليس بها زيارة، فقط من أجل تلاقي إخوان وتعارفهم، والإمام يؤكد على ذلك بقوله: فإن في ذلك حياةً لدينكم، والأمر الآخر والأهم أن نجني ثمرة هذه الزيارة، وينبغي للمؤمنين أن يستفيدوا من هذه المدرسة طوال حياتهم، فتذكرهم بتعاليم القرآن، وفي تعاطف المؤمنين وتآلفهم، وحسن أخلاقهم، والدعوة بالحسنى، وحسن التعامل وصدق الحديث، وأداء الأمانه، ومراعاة الحقوق العامة والخاصة، واحترام الناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين، وكذلك الإلتزام بالأحكام الشرعية، فنحن مشغولون بذكر الحسين الذي حافظ على أداء الصلاة في أوقاتها في أحلك الظروف، ويجب أن يعرف المؤمنون أن رسالتهم موجهةً للعالم كله الذي يصله صوتهم، فهم مسؤولون أن يكونوا دعاةً للمذهب في أقطار الأرض، وأن يرفعوا كلمة الإسلام الصحيحة الصافية التي أُخذت من القرآن، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله، وأحاديث الأئمة وسيرتهم وسير الأنبياء عليهم السلام، وإبراز كل ذلك عملياً للناس.

اترك رداً