كيف نفهم المجتمع؟

img

د. عبدالجليل عبدالله الخليفة

تمرّ المجتمعات بتغيرات مستمرة، بعضها بطيء وبعضها سريع جداً. تنعكس هذه التغيرات على الأفراد فتضطرب المعايير وتضعف الروابط، مما يسبب غربة شديدة تعصف بحياة الأفراد والمجتمعات.
كيف نفهم هذه التغيرات، كيف نتعامل معها وكيف نستفيد من آثارها الحسنة، ونتجنب آثارها السيئة؟
كيف عصف التاريخ، فبادت أمم وسادت أخرى، وكيف تنتشر بعض الظواهر الاجتماعية السلبية كالفقر والجريمة والطلاق، أو الإيجابية كالعمل والنجاح والإنجاز؟ هذا ما يدرسه علم الاجتماع، ونحاول تسليط الضوء عليه في هذه المقالة.

مقدمة:
كوّن الإنسان في فجر التاريخ أوّل خلية اجتماعية وهي الأسرة، ثم تكاثر فوجدت القبائل ثم الشعوب وانتشرت في أقطار الأرض. وهكذا وجدت أمم وحضارات، أهتّم المؤرخون بسرد تاريخها مع قليل من التحليل، أمّا ابن خلدون فقد أفرد مقدمة خاصة درس فيها نشوء الدول وزوالها، فاعتبر البعض مقدّمته بداية للدراسات الاجتماعية الاختصاصية.

ولادة علم الاجتماع:

ثلاثة أحداث كبرى عصفت بأوروبا، هي:
أوّلا: فشل الكنيسة في محاربة التطوّر العلمي، مما أوجد ردة فعل عنيفة، أعتقد البعض بعدها أن العقل والعلم هما البديل الأفضل عن دين الكنيسة.

ثانيا: الأحداث الكبرى التي مرت على بريطانيا ثم الثورة الفرنسية التي نادت بشعارات الحرية والمساواة والعقد الاجتماعي.

ثالثا: الثورة الصناعية التي اجتاحت أوروبا فانتقل أهل الريف إلى المدن، حيث اضطربت المعايير وساد الشعور بالاغتراب، وبرزت الكثير من الظواهر الاجتماعية التي استدعت ولادة علم الاجتماع.
أنطلق عندها بعض مفكري العلوم الإنسانية مثل أوغست كونت لدراسة المجتمعات دراسة علمية، معتقداً أنه يمكن الوصول الى قوانين اجتماعية ثابتة مثل علم الفيزياء، لذلك سمّى هذا العلم (فيزياء المجتمع) ثم غيّر هذا الاسم إلى علم الاجتماع. علم الاجتماع كما عرّفه ماكس فيبر هو العلم الذي يحاول فهم وتفسير أسباب السلوك الاجتماعي ونتائجه.

نظريات علم الاجتماع:

المجتمع ليس قطعة معدن يكتشف العلم ظواهرها الفيزيائية والكيميائية بسهولة. إذن كيف يدرس العلم المجتمع؟
وضع العلم نظريات كأدوات لفهم المجتمع، قسم من هذه النظريات يركز على المجتمع الكبير (Macro)، فتدرس البنى الاجتماعية مثل الأسرة والدين والظواهر الكبرى التي يشترك فيه الكثير من الأفراد كالبطالة والفقر. أما القسم الآخر من النظريات فيركز على التفاعل والتفاهم بين الفرد والآخر أو بين مجموعة صغيرة من الأفراد (Micro). وسنستعرض فيما يلي بعض هذه النظريات.

ولدت النظريات الكلاسيكية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وركّزت على أثر التقدم الصناعي والتغرب الناتج وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات ومحاولة فهم الظواهر الناتجة عنها، وهي ثلاث نظريات: البنائية الوظيفية، والصراع، والفعل الاجتماعي.

نظرية البنائية الوظيفية:

طوّرها أوغست كونت وبعده إميل دوركهايم وتبعهم مفكرون مثل ميرتون وبارسونز. سميّت هذه النظرية البنائية لأنّها ترى أن المجتمع يتكون من مجموعة بنى ( أنظمة أو أنساق)، وسميّت وظيفية لأن لكل بنية وظائف معينة، فتتكامل هذه البنى وتتوازن لتحقق الاستقرار. افترضت هذه النظرية أنّ:

• المجتمع يشبه جسم الإنسان فهو يتكون من الأفراد كبناء كلي، أهم وظائفه التعاون والتضامن والاستقرار،
• كل فرد له مكانة ودور يؤديه لخدمة المجتمع. وقد تتعدّد الأدوار للفرد الواحد فقد يكون نفس الفرد أباً لأسرة، ومديراً في شركة، ومهندسا في فريق المهندسين. المجتمع الناجح يضع الفرد المناسب في المكان المناسب.
• الافراد يشكلون مع آخرين وحدات اجتماعية تعمل بفعالية مستمرة لا يمكن الاستغناء عنها، فاذا اختل التوازن، يتغير المجتمع ليتوازن مرة أخرى.
• ينتظم الأفراد لتلبية حاجات المجتمع الحياتية في مجموعات (وحدات اجتماعية) تؤدي دوراً معيناً وهذه الوحدات تتراكم لتكون أنظمة، مثل نظام تعليمي وصحي واقتصادي، كل نظام له وظيفة ودور يقوم به لخدمة المجتمع.
• الكل يخدم الجزء والجزء يخدم الكل، فالنظام التعليمي يخدم بقية الأنظمة، والأنظمة الأخرى كالتعليمية والاقتصادية تخدم النظام الصحي وهكذا،
• كل مجتمع له بناء خاص، تنتج عنه ظواهر اجتماعية خاصة به، فمجتمع القرية ظواهره غير ظواهر مجتمع المدينة.

تقسيم العمل:
طوّر إميل دوركهايم (1858-1917) هذه النظرية، فقسّم العمل حسب تطوّر المجتمعات الى:
▪ مجتمع بسيط غير مختلف نسبياً، لا يوجد فيه تقسيم واضح للعمل. يستطيع الفرد أن يقوم بكل المهام لأنه لا يحتاج الى تخصص، فتضامنه آلي ميكانيكي وروابطه الأسرية قوية، فالأسرة ممتدة من الآباء والأبناء. مثال: مجتمع الريف.

▪ مجتمع حديث فيه تقسيم للعمل، كل فرد له تخصص معين يؤديه، لذا فتضامن الأفراد عضوي، لأن المجتمع يحتاج لكل فرد فيه بحكم اختصاصه المتميز. روابط هذا المجتمع ليست قوية، مثال: مجتمع المدن الصناعية.

الظاهرة الاجتماعية:
لا يختار الإنسان العادات والتقاليد بل يولد فيها، فهي تنطبق عليه وعلى غيره، أي أنها:
▪ تلقائية لم يخطط لها الفرد.
▪ شيئية موضوعية وليست ذاتية: لا تعتمد على الفرد فهي كانت قبله وستبقى.
▪ إلزامية قاهرة يلتزم بها الفرد بفعل العقل الجمعي.
▪ عمومية منتشرة يمكن دراستها إحصائياً،
▪ نسبية متغيرة بالزمان والمكان وليست ثابتة كشروق الشمس،
▪ تاريخية ورثناها من السلف وسنورثها للخلف،
▪ مترابطة فالجريمة مترابطة مع البطالة والفقر، لذا يجب دراستهم معا.

ظاهرة الإنتحار:
طبّق إميل دوركهايم دراسة الظواهر الاجتماعية عملياً فدرس ظاهرة الانتحار التي انتشرت في أوروبا بعد تغرب الأفراد عن الريف وانتقالهم إلى مجتمع المدينة نتيجة الثورة الصناعية، وقسّم ظاهرة الانتحار الى أربعة أنواع:
1. أناني: حين يضعف الاندماج الاجتماعي، تتعاظم الأنانية ويزيد الضجر والكآبة، فترتفع معدلات الانتحار،
2. ايثاري: حين يكون الاندماج الاجتماعي قوي فيضحي الفرد لمصلحة الآخرين،
3. لا معياري: حين ينتقل الفرد بعيداً عن وطنه ويصبح منعزلاً، فقد تضطرب عنده المعايير وتضعف الروابط الدينية والعائلية وتنتعش التيارات غير الأخلاقية، حيث يصبح البعض ضحايا لنزواتهم وشهواتهم ويلجؤون للانتحار،
4. القدري: عندما تكون الضوابط الاجتماعية قاهرة جداً.

أسباب الانحراف: روبرت كنغ ميرتون (1910-2003)
حاول ميرتون دراسة أسباب الانحراف في المجتمع الأمريكي مستخدماً نظرية البنائية الوظيفية، فرأى أنّ:
• الأهداف الثقافية العامة: يحددها المجتمع وليس الأفراد، فمثلاً المجتمع الأمريكي يرى أن تحقيق الغنى والثروة هو الهدف الأسمى.
• الوسائل المشروعة: يحددها المجتمع لتحقيق الأهداف الثقافية العامة، فمثلا يسمح المجتمع بالعمل وتأسيس الشركات ولا يسمح بالسرقة،
• لابد أن يكون هناك انسجام بين الأهداف المطلوب تحقيقها والوسائل المشروعة، فإذا كانت المعايير والوسائل لا توصل إلى النتائج المطلوبة فان هذا سيؤدي إلى انحرافات،
• الأفراد ليسوا سواسية، بعض الأفراد يستطيع تحقيق الأهداف عن طريق الوسائل المشروعة، ولكنّ البعض الآخر قد لا يستطيع تحقيقها فيلجأ إلى وسائل غير مشروعة.

الانحراف في المجتمع الأمريكي:

يرى ميرتون أنّ القيم الثقافية في المجتمع الأمريكي تشجّع على تحقيق الأهداف المادية كالغنى والثروة وتدفع لها بقوة، ونتيجة طغيان الاهداف المادية وجاذبيتها، والطموحات المادية المرتفعة جداً وعدم قدرة بعض الأفراد على تحقيقها عبر الوسائل المشروعة، لذا قد يلجأ البعض منهم للانحراف واستخدام الوسائل غير المشروعة كالجنس والمخدرات.

أنواع التكيّف:

حدّد ميرتون خمسة أنواع للتكيف مع الأهداف و الوسائل، تختلف باختلاف الأفراد، هي:
1. المشروع: يوجد توافق لدى الفرد بين الأهداف والوسائل التي حددها المجتمع،
2. المبتكر: يقبل الفرد الأهداف ولكن لا يقبل الوسائل لأنه لا يستطيع تحقيق الأهداف بالوسائل المشروعة، فيبتكر وسائل غير مشروعة لتحقيق الأهداف،
3. الشعائري: يكون الفرد محافظاً يلتزم بالوسائل المشروعة، ولكنه يرفض الأهداف التي حدّدها المجتمع،
4. الانسحابي: يرفض الفرد كلا من الأهداف والوسائل التي حدّدها المجتمع، وتنتشر بين المشردين والمنحرفين،
5. المتمرد: لا يقبل الفرد الأهداف ولا يقبل الوسائل التي حدّدها المجتمع بل يطرح بدائل، أراد ميرتون لهذا النوع أن يغير، بصورة هادئة تضمن استقرار المجتمع.

تالكوت بارسونز (1902-1979):
يوضّح بارسونز أنّ الانسان حر عقلائي يختار فعله من ضمن الخيارات المتاحة له، ونتيجة التنشئة الاجتماعية التي تربّى فيها، فإنّ فعله هذا يأتي متناسقاً مع القيم والمعايير الاجتماعية التي توافق عليها المجتمع (الضمير الجمعي). وحيث أنّ الفرد لا يعيش في فراغ بل في بيئة اجتماعية، لذلك يؤدي فعله إلى تفاعل وردود فعل من الآخرين في المجتمع، فيتفاوضون حتى يتفقوا على فعل معين يرتضيه الجميع. هذا التوافق بين الفاعلين يضمن تناسق المجتمع مما يجعل المجتمع ذاتي السير وذاتي التجدد.
خذ مثلاً فرداً يعمل في شركة ويستلم مرتباً محدداً مقابل عمله الذي يؤديه. الشركة تفرض عليه قيماً ومعايير ضرورية، وهي إلزامية للجميع، هذه القيم والمعايير تنظم النواحي المادية النفعية، وتلبي الحاجات النفسية لدى جميع العاملين في الشركة مثل المحبة والتعاون واحترام الزملاء. غاية الفرد العامل من الالتزام بالقيم التي فرضتها الشركة هو الوصول إلى الإشباع المادي والمعنوي، ولكنّ حصول هذه الإشباع يجعل الفرد يكرر الأفعال فيلعب دوره كاملاً. رغم أنّ دوره وعمله يبدو فردياً إلّا أنّ تعدد العاملين في الشركة وأدوارهم المختلفة يجعل عمل الشركة كاملاً وسيرها ذاتياً.

نقد البنائية الوظيفية:
• هذه النظرية تعد الفرد أداة صغيرة في آلة المجتمع الكبير، وعلى الفرد أن يتقن دوره ويؤديه، وأن لم يفعل، فسيطحنه المجتمع. فهي لا تعطي الانسان كامل القدرة والتأثير، كعقلائي خلاق يستطيع التفكير والتغيير بالطريقة المناسبة،
• هذه النظرية محافظة، تؤيّد الاستقرار، يتوافق فيها الجميع على المصلحة المشتركة وتطبيق القانون وعدم الاخلال به. حين يحدث تغيير بسيط ، ينتقل المجتمع بسرعة إلى حالة استقرار جديدة،
• تهتم الوظيفية بمصلحة المجتمع وليس بمصلحة الأفراد ولا بالعرقيات المختلفة،
• سلوك الفرد يحكمه ضمير الجماعة فأي فرد يشذ بأفكاره يتعرض إلى ضغط معنوي للرجوع،
• عندما تدرس الوظيفية أية ظاهرة اجتماعية مثل الطلاق أو الجريمة، لا تدرس الفرد بل تدرس البناء الاجتماعي كالأسرة والمدرسة،
• الوظيفية تهتم بالتعليم والتربية لتضمن تنشئة مستقرة غير متمردة.

نظرية الصراع: كارل ماركس ( 1818-1883)
بينما كانت نظرية البنائية الوظيفية تتبنى استقرار المجتمع، جاءت نظرية الصراع لتفسّر التغيرات الكبرى في المجتمعات.

مناخ النظرية:
‏‎فكرياً، طوّر الفيلسوف الألماني هيغل نظريته الديالكتيكية الجدلية (انتقال الذهن من فكرة معينة إلى فكرة تناقضها ثم التركيب بينهما، وتتكرر هذه العملية الذهنية الى أن يصل الإنسان إلى الفكرة المطلقة). ثم جاء بعد هيغل، الفيلسوف فيورباخ، الذي أسّس الفلسفة المادية التي ترى أن الطبيعة المادية هي الأساس لأفكار الإنسان وليس العكس.
‏‎اقتصادياً، رأى فريدريك إنجلز أن عناصر الإنتاج هي: الأرض ورأس المال «متمثلا في الآلة والتكنولوجيا والنقد» واليد العاملة، وأن مالك المصنع، صاحب رأس المال، يجني فائض القيمة، فتتراكم ثروته. وحين تستخدم الآلة، تقل الحاجة للعمال فيتم تسريح قسم كبير منهم، وهكذا تضغط الديون وأرباحها المستحقة على الطبقة الفقيرة مما يزيدها فقراً بينما تزداد الطبقة الغنية ثراء، فتتولد طبقية فاحشة في المجتمع.
‏‎
‏‎في هذا المناخ الفكري والاقتصادي عاش كارل ماركس «1818 – 1883» وزميله فريدريك إنجلز «1820 – 1895» ووضعا نظريتهما عام 1848م، وسنستعرض هذه النظرية والردود عليها.

المادية الجدلية:
أكدت فلسفة هيغل الجدلية دور الوعي الفكري في صناعة الواقع، ثم جاءت مادية فيورباخ فرأت أن التطور الإنساني يتم عبر صراعه المادي. ثم جاء كارل ماركس فطبّق أفكار فيورباخ على حركة المجتمع والتاريخ، مؤكدا أن الواقع الاجتماعي هو الذي يصنع وعي الإنسان.
الفرد والمجتمع في نظر الماركسية:
ترى الماركسية أن الإنسان كائن اجتماعي منتج، فهو مجموع علاقاته الاجتماعية، وتربطه مع بقية قوى الإنتاج علاقات يسميها ماركس بعلاقات الإنتاج كالملكية وطرق توزيع الثروة. وفي كل حقبة تتطور وسائل الإنتاج وينقسم المجتمع الى طبقات حسب العلاقات الإنتاجية.

قوانين الجدل المادي:

وهي ثلاثة قوانين تنطبق على الطبيعة كما تنطبق على حركة التاريخ:
أولاً: وحدة وصراع الأضداد وهي أن كل ظاهرة في الوجود تحمل نقيضها بداخلها، و هي في حالة صراع مع نقيضها.
ثانيا: تتراكم التغيرات الكمية حتى تصل إلى درجة يصبح عندها التغير الكيفي حتميا.
ثالثاً: نفي النفي «أو سلب السلب» كل مرحلة تنفي سابقتها لتأتي المرحلة التي تليها فتنفيها.

البنية التحتية والبنية الفوقية لدى الماركسية:
يعد ماركس قوى الإنتاج ومعها علاقات الإنتاج البنية التحتية في المجتمع، وتقوم عليها البنية الفوقية التي تتناسب معها وتتمثل في العلاقات الاجتماعية كالفن والدين والأخلاق. ويبقى الإنسان مؤثراً ومتأثرا بوعيه في العملية الإنتاجية فيخترع ويبتكر ويؤسس لقوى ووسائل إنتاج جديدة ولكنها تعود فتفرض عليه علاقات إنتاج جديدة تحكمه وتؤثر فيه.
إن حجر الزاوية ومحور التغيير الاجتماعي هو تطور البنية التحتية من وسائل الإنتاج وما يتبعها من تغير في علاقات الإنتاج كالملكية وطرق توزيع الثروة، ونتيجة له تتغير البنية الاجتماعية الفوقية كالأفكار والثقافة والأدب والأخلاق.

المادية التاريخية:
يرى ماركس أنه لا يمكن فهم التاريخ إلا إذا تم فهم وسائل وعلاقات الإنتاج في تلك الحقبة التاريخية. فالتاريخ يتطور باستمرار تبعاً للتغير المستمر في وسائل الإنتاج وتطور علاقات القوى المنتجة.
الاقتصاد الرأسمالي، مثلا:
استفاد أصحاب رؤوس الأموال كثيراً من الصناعة والماكينة كوسائل إنتاج وراكموا ثروات طائلة بينما بقيت الطبقة العاملة تعيش على أجورها. وقد تكونت نتيجة ذلك طبقية فاحشة بين الطبقة البورجوازية الرأسمالية كما تسميها الماركسية وهي طبقة ملاك رؤوس الأموال وبين طبقة البروليتاريا كما تسميها الماركسية وهي الطبقة العاملة.
ترى الماركسية طبقاً لمبدأ الجدلية أن نقيض البورجوازية الرأسمالية هي البروليتاريا وهي موجودة معها في النظام الرأسمالي فلا غنى للبورجوازية عن البروليتاريا للعمل في مصانعها واستهلاك منتجاتها. وحين يشتد الصراع الطبقي بين البورجوازية والبروليتاريا يحدث التغيير الكمي تدريجيا حتى يصل الى مرحلة الانفجار وهو التغير النوعي. وعندها تستولي طبقة البروليتاريا على النظام الإنتاجي ووسائل الإنتاج وتؤسس لمرحلة جديدة وهي مرحلة الاشتراكية في خطوة تمهيدية للشيوعية المطلقة. وبذلك تتأسس علاقات الإنتاج الجديدة وهي الملكية المشاعة حيث تلغى الملكية الفردية وتنتفي الحاجة لسلطة الدولة.

نقد الماركسية:
• لقد أعطت الماركسية نظرية للصراع و التغيير على النقيض من البنائية الوظيفية التي تبنت الاستقرار، و هذا تطوّر هام في النظرية،
• انطلقت الماركسية من مبدأ محاربة الجشع و القهر الذي سببته الرأسمالية لليد العاملة المسحوقة، وهذه قيمة سامية،
• تبنت الماركسية المادية التاريخية رغم عدم وجود دليل على أن وسائل الإنتاج وعلاقاتها هي فقط التي تؤسس لحركة التاريخ، فقد برز في التاريخ آلاف الأنبياء والمصلحين الذين غيروا مسار التاريخ وكان التغيير الاقتصادي وعدالة التوزيع والرفاه نتيجة وليس أساساً،
• إن تقسيم الأمور الى بنية تحتية من وسائل وعلاقات الإنتاج وجعل الأفكار والأخلاق والأديان والفنون كبنية فوقية تابعة لم يقم عليها دليل فلسفي او علمي. رغم أننا نوافق على أن الفرد حينما يولد في أسرة وطبقة معينة قد يتأثر بآرائها ويتبنى مواقفها.
• يجدر بنا أن نسأل: هل النظرية الماركسية من علاقات الإنتاج فهي من البنية التحتية، او هي من الأفكار الأخرى فهي من البنية الفوقية؟ إن كانت من علاقات الإنتاج فلابد أن تتغير بتغير وسائل الإنتاج، وإن كانت من البنية الفوقية فهي ناتجة عن البنية التحتية ولا تحكم عليها،
• إن كانت الجدلية قانوناً مضطرداً، فأين النقيض عندما تنتصر البروليتاريا وتتحقق الشيوعية؟ فإن كانت الجدلية مضطردة، فلابد أن تحمل الشيوعية نقيضها.

نظرية الفعل الاجتماعي: ماكس فيبر (1864-1920):

تختلف مدرسة فيبر عن البنائية الوظيفية التي تعني بالظواهر الاجتماعية الخارجية وتغض النظر عن الدوافع الفردية.، فهو يرى أنه لا يمكننا أن نُخضع الظواهر الإنسانيّة للمناهج التجريبية الطّبيعيّة، لأن المجتمع ليس مادة جامدة لها خواص فيزيائية وكيميائية يمكن قياسها كمياً، فالأفعال الإنسانيّة لها عواملها النّفسيّة، والتّاريخيّة، والاجتماعيّة. لذا حاول فيبر صياغة مفاهيم واضحة ودقيقة للفعل الاجتماعي تشمل تفسير دوافعه الذاتية الفردية وظروفه الاجتماعية الخارجية.

ما هو الفعل الاجتماعي لدى ماكس فيبر؟

يرى ماكس فيبر أن وحدة التحليل الرئيسية للمجتمع، هي الفرد الفاعل، فالفرد هو الشيء الوحيد الذي لديه سلوك له معنى (أي حرية في اتخاذ القرار)، فالفعل الاجتماعي هو:
1. الفعل الذي قام به الفاعل لتحقيق هدف ومعنى معين، وليس فعلاً آخر حدث مصاحباً للفعل المقصود،
2. الفعل الذي يشترك فيه الفاعل مع آخرين في الجماعة التي ينتمي إليها، فأي فعل يقوم به الفاعل بمفرده ليس اجتماعياً كجلوسه في الهواء الطلق،
3. الفعل الذي يوجهه الآخرون الذي ينتمي لهم الفاعل، سواء كان الموجه حاضراً أو ماضياً أو منتظراً في المستقبل، ويمكن أن يكون هذا الآخر – أو الآخرين- معروفا أو غير معروف.
أنماط الفعل الاجتماعي لدى فيبر:

تهدف دراسات فيبر إلى دراسة الواقع الخارجي ومحاولة فهم بواعثه وآثاره، ولتسهيل ذلك، قسّم فيبر أنماط الفعل الاجتماعي إلى أربعة أنواع مثالية تبدأ من أدنى أشكال العقلائية حيث تسيطر التقاليد إلى أعلى أشكال العقلائية حيث تضعف التقاليد، وهي:
1. الفعل الاجتماعي التقليدي (النابع من العـادات والتقاليـد)
2. الفعل الاجتماعي الوجداني (النابع من العاطفة)
3. الفعل العقلاني الموجه نحو قيمة مطلقة (النابع من القيم والأخلاق)
4. الفعل العقلاني الهادف لغاية (الموجه كأداة لتحقيق مصلحة وغاية فردية)
هذه أنماط مثالية من الأفعال الاجتماعية تستند على مستويات مختلفة من العقلانية حيث يختلف هدف السلوك بـين المـصالح الفردية والمصالح الجمعية. الأفعال الاجتماعية الواقعية والأحداث التاريخية يمكن تفسيرها بناء على هذه الأنماط المثالية، وقد يشترك حدث تاريخي في أكثر من نمط مثالي فقد يهدف مثلا إلى قيمة أخلاقية وإلى مصلحة فردية في نفس الوقت. وقد يكون عاطفياً وفي الوقت نفسه ذا قيمة أخلاقية.

الغريب أن فيبر هنا يرى أن أعلى مستوى العقلائية هو أن يهدف الفرد بفعله الاجتماعي تحقيق مصلحته الفردية، فالتضحية من أجل القيم والأخلاق أدنى عقلانية كما يراها فيبر من تحقيق المصلحة الفردية.

الأخلاق لدى فيبر:
كيف يرى فيبر الأخلاق؟ هل هي بناء فوقي تابع للحالة الاقتصادية؟ أي هل أن الأخلاق لا تؤثر في الاقتصاد كما يرى ماركس، أو على العكس، يرى فيبر أن الأخلاق عامل مهم في البناء الاقتصادي؟
لقد وضّح فيبر في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) أخلاق البروتستانتية التي تتضمن:
• حثاً جاداً على العمل وعدم تضييع الوقت الذي تعتبره من الموبقات، لأن تضييع ساعة من العمل هي تضييع ساعة من عبادة الرب،
• العمل ليس للفقراء فقط، بل هو للأغنياء أيضا لأن فيه رضا الرب،
• المؤمن المخلص هو من يستغل الفرصة ليكسب الثروة من أجل الرب،
• اللهو والانشغال بالملذات ذنب كبير وخطيئة عقلية أيضاً.

لقد بيّن فيبر الأثر الإيجابي للأخلاق البروتستانتية التي تشجع على الإخلاص والجد في العمل والادخار والاستثمار على النمو الرأسمالي الاقتصادي في شمال أوروبا وأمريكا مقارنة بالجنوب الأوروبي المتأخر اقتصاديا حيث تنتشر الكاثوليكية التي تحض على الرهبنة. لذا فهو يرى أن الأخلاق هي التي أثرت في نمو الاقتصاد وليس العكس.

نظريات التفاعل والتواصل:

كيف يتفاعل الأفراد فيما بينهم؟ وما هي وسائل التواصل والتأثير؟ وكيف تتغير هذه الوسائل؟ وما تأثير ذلك على الواقع الاجتماعي؟ هذا ما ستناقشه النظريات التالية.

نظرية التفاعل الرمزي : جورج هربرت ميد (1863-1931)
يتواصل البشر فيما بينهم باستخدام الرموز التي تحمل معاني معينة في أذهان الفرد و المجتمع، هذه الرموز هي كلّ الوسائل التي يستعملها الناس في عملية التواصل مثل اللغة والإشارات والعلامات والأدوات والحركات والأصوات والانطباعات والصور. هذه النظرية ترى أن الناس يفهمون معاني لهذه الرموز، ثم يتصرفون بناءً على فهمهم لها، وخير مثال هو المحادثات الشفاهية. الرموز قد تحمل معاني مختلفة في البيئات المختلفة فمثلاً: اللون الأبيض في بيئة اجتماعية معينة يعني الفرح بينما يرمز للحداد في بيئة اجتماعية مختلفة.

وضع ماكس فيبر جذور هذه النظرية ثم طوّرها جورج هربرت ميد (1863-1931) الذي كتب نظريته عن “العقل، والذات والمجتمع” و ركّز فيها على أن نشوء العقل والنفس يتم من خلال عملية الاتصال بين الكائنات الحية، فالهوية الشخصية والوعي بالذات كما يرى ميد، ليس لهم وجود مستقل عن العلاقات الاجتماعية بالآخرين، بل تتكون وتتغير نتيجة أفعال الفرد تجاه الآخرين، واستجاباتهم لأفعاله، وتوقعاته لتلك الاستجابات.
إن فكرة استخدام التفاعل الاجتماعي والمعاني المشتركة كأساس للتفسير الفردي للعالم الموضوعي تعتمد على فرضيتين:
1. يفهم الناس بعضهم بعضا ليس بناء على صفاتهم الموضوعية الموجودة في الواقع، بل على أساس الانطباعات (الصور الذهنية المرتسمة في عقول الآخرين)، التي يخلقها كل منهم لدى الآخرين من خلال عملية التفاعل بينهم.
2. الاتصال بالآخرين هو مفتاح لأفكار الفرد، فمن خلال الاتصال يتعلم الفرد كيف يتوقع تصرفات الآخرين، وما هو السلوك المقبول اجتماعياَ.
تعتمد التفاعلية الرمزية حسب رأي بلومر على ثلاثة افتراضات رئيسية:
1- يطور الأشخاص مواقفهم إزاء الأشياء وفقا للمعاني التي توحيها لهم هذه الأشياء،
2- تتولد هذه المعاني من خلال التفاعل الاجتماعي مع الآخرين،
3- تتعدل المعاني خلال عملية التأويل التي يستخدمها الفرد حين يتعامل مع الرموز.

تأثير الرموز و معانيها على تركيبة المجتمع:
تعطى هذه النظرية المعاني الذاتية التي يفهمها الأفراد من الرموز أولوية لأنهم يتصرفون بناء على انطباعاتهم (ما يعتقدون) وليس فقط على الواقع الموضوعي الخارجي، يعني أن البناء الاجتماعي للمجتمع يتم من خلال التفسير البشري. فتفسير الأفراد لسلوك بعضهم البعض، هو الذي يشكل الأثر الاجتماعي.
مثلا: موظف يحمل انطباعا عن مديره بأنه غير عادل ومتحيز رغم أن مديره يمارس أجلى مصاديق العدالة، ولكن انطباع الموظف سيؤثر سلبا على سلوكه في العمل. كذلك، لو أخذت الشركة انطباعاً عن فريق عمل معين بأنه غير جاد و مهمل، فلن تولي لهذا الفريق أهمية ولن تسند له مهمات جديدة.
حسب نظرية التفاعلية الرمزية يشكل الأفراد العالم الاجتماعي بدلاً من مجرد التصرف بناء عليه. من هنا تتبين خطورة وسائل الاعلام، فالناس تتبني صور و معاني الحقائق الاجتماعية أو المادية التي لم تحسها، من خلال التعرض إلى وسائل الأعلام.
نقد النظرية:
1. هذه النظرية تهمل التفسير الكلي أو الصورة الكبيرة للمجتمع. فهي ترى الشجرة (تفاعلات الأفراد) وتتجاهل الغابة (تأثير البنى والمؤسسات الاجتماعية على التفاعلات الفردية)،
2. نتفق مع النظرية على أن انطباعات الآخرين مهمة جداً وقد تؤثر على تقييم الانسان لذاته، لكن لا يمكن أن تكون ذات الانسان الحقيقية تركيبة من هذه الانطباعات التي قد تكون متعارضة فيما بينها، فكم شجاع يظنه الآخرون جباناً،
3. الرموز لا تحكم الواقع الاجتماعي، فهناك الكثير من التصرفات العملية كالأمانة والصدق والشجاعة والكرم، تفرض نفسها في قلوب الآخرين دون استخدام للرموز،
4. هذه النظرية لا تشرح التغيرات الكبرى والصراعات.

الحياة الاجتماعية وأدوار المسرح: قوفمان ارفينج (1922-1982)
أعتبر قوفمان أن الحياة الاجتماعية مسرح حياتي يمارس فيه الأفراد أدواراً معينة. ففي المسرح، يعمل الفريق المسرحي على التعاون لأقناع الجمهور الذي يشاهد العرض المسرحي، فهناك مرحلة الاعداد للمسرحية حيث تختفي الرسميات ويتم اعداد الممثلين خلف ستارة المسرح، ثم ترفع الستارة وتبدأ مرحلة التمثيل، فيمارس كل ممثل دوره بحرفية عالية ليتقن الأداء المسرحي، وبعد نهاية المسرحية تسدل الستارة مرة أخرى. في الحياة الاجتماعية، يعمل الأفراد للتجهيز لأدوارهم قبل أي فعل اجتماعي، ثم يؤدون أدوارهم بكل حرفية أثناء الفعل من أجل تحقيق أهداف مرسومة سلفاً.
كما يجري التدريب المكثف للمثلين في المسرح، فإن الأفراد يمرون في تدريب متواصل خلال التنشئة الاجتماعية لتكوين الوعي بالأدوار التي تقوم على مسرح الحياة الاجتماعية، وهي عملية مستمرة لا ترتبط بالمراحل المبكرة فقط بل عبر الحياة كلها.
المنهج الأثنوميثودولوجي ( Ethnomethodology ): جارفينكل (1917-2011)
استمرارا لنظرية التفاعل الرمزي، جاء المنهج الأثنوميثودولوجي وكان رائده جارفينكل.
Ethno : أي الشعب – الناس – القبيلة، وMethodology: أي المنهج فهو اذن: الطريقة التي يستخدمها الناس في حياتهم العادية في صياغة الحقيقة الاجتماعية.
درس جارفينكل الكلام وابتفاعلات الرمزية التي يستخدمها الأفراد في حياتهم اليومية التي تشمل الكثير من الفرضيات التي توافق عليها الناس حتى أصبحت مألوفة لا يفكر فيها. ومنها السلوك اليومي والكلام وتعابير الوجه و ذجميع السياقات الزمانية والمكانية والظرفية التي تمثل جزءاً من التفاعل الرمزي بين الأفراد أثناء الحياة اليومية، و المعاني الكامنة خلف كل فعل وسلوك لهذه الحياة اليومية.
أمثلة:
الابتسامة عند لقاء صديق،
تحريك الرأس يميناً وشمالاً تعني لا في بيئة معينة، بينما تعني نعم في بيئة أخرى،
الاجتماعي الشامل: بيير بورديو (1930-2002)
جمع بورديو بين نظرية الصراع لماركس والنظرية البنائية لدوركهايم، وأوضح أن أسباب الصراع الذي يحدث بين الطبقات الاجتماعية ترجع الى أسباب اقتصادية أو ثقافية أو غيرها.
لقد أنتج بورديو الكثير من المفاهيم الغنية التي تستحق التركيز عليها، مثل العنف الرمزي، إعادة الإنتاج، الحقل الاجتماعي، التميز، الهابيتوس ورأس المال، وسنتطرق لها سريعاً.
العنف الرمزي:
يقسم بورديو العنف إلى عنف فيزيائي يسبب الضرر بالآخرين جسدياً وماديا، وعنف رمزي بواسطة اللغة، والهيمنة، والأفكار المتداولة.
العنف الرمزي أكثر خطورة من العنف المادي، لأنه عنف لاشعوري تعود عليه الناس، وقبلوا به، ويعملون على تكريسه في واقع حياتهم، فهم يعتبرونه فعلاً عادياً، رغم خطورته نفسياً ومجتمعياً وثقافياً واقتصادياً.
إعادة الإنتاج:
يربط بورديو بين النجاح المدرسي والطبقة الاجتماعية ورأسمال الأسرة الثقافي. فالحقل العلمي مجال للتنافس والصراع والحصول على الجوائز وتحقيق السبق العلمي، والظفر بالمجد والشهرة. ولكن كيف تعيد المدرسة إنتاج اللامساواة في المجتمع التي تتمثل في وجود طبقة مسيطرة، وطبقة مسيطر عليها؟
بصورة عامة، لا يملك الطلاب نفس الموارد لتحقيق النجاح المدرسي، نتيجة الفوارق الاجتماعية، والطبقية، والقدرات الفردية داخل الفصل الدراسي. لذا أستنتج بورديو وباسرون أن الثقافة التي يتلقاها المتعلم في المدرسة الفرنسية مثلاً ليست ثقافة موضوعية محايدة، بل هي ثقافة الطبقة المهيمنة. فالأطفال كما يراهم بورديو وباسرون قبل التحاقهم بالمدرسة تختلف ثقافتهم، فهم غير متساوين في الرأسمال الثقافي (المهارات اللغوية التي تسهل عملية التواصل). ولكي تحافظ المدرسة على وظيفتها فهي تفرض مستوى لغوياً يماثل لغة الأسر الغنية وليس لغة الأسر الفقيرة. لذلك يعيش أبناء الطبقة الغنية تكاملاً وقرباً بين ثقافة البيت وثقافة المدرسة بينما يعيش أبناء الطبقة الفقيرة فرقاً شاسعا بين ثقافة البيت وثقافة المدرسة، لذا فعليهم أن يتخلصوا من ثقافة أسرهم، وتعلم طرق جديدة في التفكير واللغة. هكذا يكون أبناء الطبقة الغنية أكثر استعدادا للاستفادة من التعليم مما يمكنهم من الحصول على الشهادات العليا و بعدها الوظائف المرموقة، بينما يرزح أبناء الطبقات الفقيرة تحت هذه الفوارق التي تعيد انتاج نفسها. هكذا تعيد المدرسة إنتاج الطبقية نفسها.
الحقل الاجتماعي:
تقسيم العمل في المجتمع أوجد مجموعة من الحقول الاجتماعية مثل: الحقل الفني، والحقل الاقتصادي، والحقل الثقافي، والحقل الرياضي وغيرهم، ويشتد في كل حقل التنافس والصراع بين الأفراد حول الامتيازات المادية والمعنوية، والهيمنة، والمصالح المشتركة للحقل أو للفرد.
التميز:
يتنافس الأفراد من أجل التميز، فلأجل أن يكون الإنسان معروفاً في حقل معين، عليه أن يتميز أو يختلف عن الآخرين ثقافياً واقتصادياً ولغوياً ورمزياً واجتماعياً. وخير مثال على ذلك هو شدة الاهتمام بآخر الموضات رغبة في التميز ثقافياً واجتماعياً ورمزياً.
الهابيتوس:
الهابيتوس تعني الحالة أو الوضعية أو طريقة العيش، ويشمل الأفعال اليومية، كالتذوق وحركة الجسد والملابس والأثاث والفن، وعادات الاستهلاك، وأوقات الفراغ والأخلاق الاجتماعية، وأنواع المعرفة والذاكرة المتراكمة. وهو ما يكتسبه الفرد في الأسرة والمدرسة و يضمره لا شعوريا نتيجة تنشئته الاجتماعية من مجموعة القيم والعادات والأعراف والخبرات والتجارب التي يستحضرها لا شعوريا عند مواجهة مواقف اجتماعية في المستقبل. فهو يجمع بين دور الفاعل كعقلائي حر مختار وبين بنية المجتمع وضميره الجمعي المختزن.
يوجد هابيتوس الطبقة حيث يشترك أبناء طبقة معينة في مجموعة الأفعال والتصرفات والسلوكيات المشتركة. فمثلاً، هابيتوس العمال يشمل لباس عملهم، ونوع غذائهم و كرة القدم. أما هابيتوس الأغنياء ففيه الموضة واللوحات الفنية و لعبة الجولف والأوبرا. لذلك يرتبط الهابيتوس برأسمال معين، كالرأسمال المادي، أو الرأسمال الثقافي، أو الرأسمال الاجتماعي، أو الرأسمال الرمزي. وهو يورث بين الأفراد والأجيال والجماعات.
الرأسمال:
يرى كارل ماركس أن أساس الصراع بين الطبقات الاجتماعية هو تغير وسائل الإنتاج أي الرأسمال الاقتصادي، ولكن بورديو يرى أن أسباب الصراع قد تكون ثقافية أو اقتصادية، أي الرأسمال الثقافي أو الرأسمال الاقتصادي.

أنواع الرأسمال:
• الرأسمال الاقتصادي: الثروة و الدخل.

• الرأسمال الثقافي: الشهادات، المؤلفات الثقافية والفنية، المهارات، والكفاءات.
• الرأسمال الاجتماعي: العلاقات الاجتماعية كالمعارف والصداقات، والرحم والقرابة والصداقة والزمالة والوجاهة والذكاء الاجتماعي.
• الرأسمال الرمزي: ويتضمن الرأسمال الاقتصادي، والرأسمال الثقافي، والرأسمال الاجتماعي
• الرأسمال اللغوي: الشعر والمقالة والخطابة ومعرفة اللغات الأجنبية وغيرهم.
يمكننا إضافة الرأسمال الديني (إن لم نعده من الرأسمال الثقافي)، فهو يربط الفرد بالخالق ويقرّب من قلوب البشر.
أخيرا، يتحدث بورديو عن ضرورة حياد عالم الاجتماع عندما يبحث في مشكلة اجتماعية، لأنه فرد من المجتمع قد ينحاز لا شعوريا بحكم الهابيتوس فتصبح دراسته غير موضوعية.

أسأل الله أن تكون هذه المراجعة خطوة مهمة نحو فهم أفضل للذات وللمجتمع وللتفاعل المؤثر الذي يشد أواصر التعاون والمحبة بين أفراد المجتمع. والحمد لله ربّ العالمين.

اترك رداً