لماذا يمارس الناس خداع الذات

img

بقلم جوليا ويلر (JWE)

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

إن يخدع المرء نفسه / ذاته أمر طبيعي ويمكن أن يكون مفيدًا في الأمد القصير. لكنه ليس مفيدًا في الأمد الطويل.

قام فريق في علوم الفلسفة من جامعة الرور في مدينة بوخوم الألمانية Ruhr-Universität Bochum (وتعرف ب RUB) وجامعة أنتويرب Antwerp بتحليل الدور الذي يلعبه خداع النفس / الذات في الحياة اليومية والاستراتيجيات التي يوظفها الناس لخداع أنفسهم / ذواتهم. في مجلة علم النفس الفلسفي، وصف الدكتور فرانشيسكو ماركي Francesco Marchi والبروفسور ألبرت نيوين Albert Newen أربع استراتيجيات مستخدمة لتثبيت صورة الذات الإيجابية وحمايتها. وفقًا لنظريتهما، فإن خداع النفس يساعد الناس على البقاء متحمسين في المواقف الصعبة.

أربع استراتيجيات لخداع النفس

يقول ألبرت نيوين من معهد الفلسفة II التابع لجامعة RUB: “كل الناس يمارسون خداع أنفسهم / ذواتهم، وفي كثير من الأحيان يقومون بذلك بالتأكيد”. “على سبيل المثال ، إذا كان الأب مقتنعًا بأن ابنه طالب جيد، ثم حدث وأن عاد الابن إلى البيت بدرجات ضعيفة، فقد يقول أولاً أن الموضوع ليس بهذه الأهمية أو أن المعلم لم يشرح المادة جيدًا.” يطلق الباحثون على استراتيجية خداع النفس هذه إعادة تنظيم المعتقدات reorganisation of beliefs [المترجم: لدي احساس أن المؤلفين قصدوا أن يقولوا إعادة ترتيب اوليات المعتقدات] . في ورقتهم، وصف المؤلفون ثلاث استراتيجيات تُستخدم كثيرًا ولها تأثيرها حتى من الأول لحجب الحقائق غير السارة عن الوصول إلى الشحص من البداية.

وهذه الاستراتيجيات تشمل اختيار الحقائق من خلال العمل الهادف: يتجنب الناس الأماكن أو الأشخاص الذين يثيرون إشكالات قد تسترعي انتباههم، مثل اجتماع مجلس أولياء الأمور والمعلمين. استراتيجية ثانية هي رفض الحقائق وذلك بإلقاء ظلالًا من الشك على مصداقية مصدر تلك الحقائق. طالما أن الأب يسمع عن مشاكل ابنه الأكاديمية بشكل غير مباشر فقط ولا يرى درجاته، فيمكنه أن يتجاهل تلك المشاكل التي يعاني منها ابنه. الاستراتيجية الأخيرة والثالثة هي ما يسميها نيوين ومارتشي انتاج الحقائق من الحالة الراهنة الغامضة: “على سبيل المثال، إذا أفاد مدرس الرياضيات الطيب بأن الابن يعاني من مشاكل عدم المسايرة والتأقلم ، وكان الأب يتوقع أن يستلم تقريرًا لا لبس فيه في حالة وحود هذه الصعوبات التي يواجهها ابنه، فقد يفسر هذا اللطف البليغ والوصف اللبق تقييمًا إيجابيًا لقدرات ابنه، ” كما يشرح فرانشيسكو ماركي المثال المذكور أعلاه.

وصف الباحثون جميع هذه الاستراتيجيات الأربع على أنها تحيزات تفكير نفسية نمطية. خداع النفس ليس أمرًا غير معقول أو ضارًا بالناس في الأمد القصير، ولكنه دائمًا غير معقول وضار في الأمد المتوسط والطويل. “هذه ليست أساليب خبيثة للقيام بعمل هذه الأشياء، ولكنها جزء من أدوات استعرافية cognitive equipment أساسية للإنسان حتى يُبقي على نظرته التي يعمل بحسبها لنفسه وللعالم”. في الأوقات العادية وبتغييرات قليلة، يصبح الميل إلى التمسك بآراء ثبت جدواها مفيدًا ومتعمقةً جذورها في التطور evolution. ويضيف الباحث في بوخوم: “ومع ذلك، فإن هذا التحيز المعرفي كارثي في أوقات الصعوبات الجديدة الراديكلية التي تتطلب تغييرات سريعة في السلوك.”

مثال من حالة فيروس كورونا

ضرب نيوين مثالاً من حالة فيروس كورونا: “لو كان الناس في المراحل الأولى من الجائحة يشككون في ما إذا كان اللقاح سيكون له أعراض جانبية غير متوقعة، فهذا تحذير مفهوم يمكن للناس التغلب عليه في البداية بالالتزام الصارم بالقواعد الاحترازية. كما أن ممارسة خداع النفس يمكن أن يساعد أيضًا في تجنب استجابات لحالات الهلع / الذعر. ” “ولكن لو اتضح في الأمد المتوسط أن الأعراض الجانبية للقاح محدودة بشكل جلي، فإن الشك يكون غير معقول وليس في محله ويتحول إلى خطر مباشر على النفس والآخرين. ممارسة خداع النفس يستتبع أيضًا تقييمات مشوهة للمخاطر، لأن المخاطر على الصحة المترتبة على التخلي عن التطعيم أكبر بكثير من تلك الناتجة عن التطعيم نفسه. وبالتالي، يمكن لممارسة خداع النفس أن ترسخ صورة الذات، والرأي القائم (المعمول به) والدافع للعمل في الأوقات العادية، ولكنه يصبح ضارًا في أوقات الأزمات التي تتطلب إعادة نظر جذرية وأساليب جديدة للتصرف والعمل بموجبها، ووضع المجتمع أمام مسؤلياته. ”

 

اترك رداً