QMP
أقلام

اليوم العالمي للشاي بين الاحتفال والطقوس

رباب حسين النمر

في الصباح، تصحو على بخار ساخن ينطلق من فوهة إبريق شاي يتصدر المائدة، وفي المساء يتحلق الأحباب حول موقد صغير وأكواب زجاجية بلّورية يرتشفون الشاي، ويزينون اللقاء بالأحاديث العذبة.
لاتكاد تخلو منه مائدة، ولا دعوة، ولا ختام طعام، يلتذ بسكبه الغني والفقير على حد سواء.

تغنى بعذوبته الشعراء، فكان مُلهِما جذابًا، ولجأ لارتشافه المتعبين بعد ساعات العمل الطويلة..
هو كوب صغير من الشاي يهب جرعة سعادة كبيرة!

يُعد الشاي مشروبًا من نبات كاميليا سينيسيس، وهو أكثر المشروبات استهلاكا في العالم بعد الماء. ويُعتقد أن استهلاكه بدأ في شمال شرق الهند وشمال ميانمار وجنوب غرب الصين، ولكن المكان المحدد لنمو النبات لأول مرة غير معروف. إلا أن هناك أدلة على أن الشاي بدأ استهلاكه في الصين قبل 5000 عام.

ويشكل إنتاج الشاي وتجهيزه وسيلة عيش رئيسة لملايين الأسر في البلدان النامية، ومصدر رزق رئيس للملاين من الأسر الفقيرة التي تعيش في البلدان الأقل نموًّا، لذل تشكل صناعته مصدرا رئيسا للدخل ولعائدات الصادرات في بعض البلدان الأشد فقرًا، كما أنها تتيح فرص عمل باعتبارها قطاعًا كثيف العمالة في المناطق النائية والمحرومة اقتصاديا على وجه الخصوص. وللشاي دور هام في التنمية الريفية والحد من الفقر وتحقيق الأمن الغذائي في البلدان النامية بوصفه أحد أبرز المحاصيل ذات العائد النقدي.

ووفقا لقرار الأمم المتحدة التي أعلنت اليوم العالمي للشاي سنويًا في الحادي والعشرين من مايو، تحتفل به الدول المنتجة للشاي مثل بنجلاديش، سريلانكا، نيبال، فيتنام، إندونيسيا، كينيا، ملاوي، ماليزيا، أوغندا، الهند وتنزانيا.

ويهدف هذا الاحتفال إلى:

* جذب انتباه الحكومات والأفراد إلى التأثير العالمي لتجارة الشاي على العمال والمزارعين
*المطالبة بتقديم الدعم لسعره والتجارة العادلة.
* زيادة الوعي بالتاريخ الطويل والأهمية الثقافية والاقتصادية العميقة للشاي في جميع أنحاء العالم.
*ترويج الإجراءات الجماعية لتنفيذ الأنشطة لصالح الإنتاج والاستهلاك المستدامين للشاي وتعزيزها.
*زيادة الوعي بأهميته في مكافحة الجوع والفقر.
*تعزيز تنفيذ الأنشطة الداعمة لإنتاج الشاي واستهلاكه على نحو مستدام،

وقد قامت الهند بتفعيل أول يوم عالمي للشاي في نيودلهي عام 2005، ثم سريلانكا عام 2006 و2008.

وتنسق تلك الاحتفالات وما يرتبط بها من مؤتمرات عالمية بواسطة اتحادات نقاب العمال.

وقد تقدمت الحكومة الهندية بطلب لتمديد الاحتفال باليوم العالمي للشاي عام 2015 لترعاه منظمة الأغذية والزراعة.

ولشرب الشاي منافع صحية تتمثل في الأجسام المضادة للالتهابات والأكسدة وفقدان الوزن. كما أن له كذلك *أهميه ثقافية* في العديد من المجتمعات.

إنتاج الشاي وأهداف التنمية المستدامة:
يساهم إنتاج الشاي وتجهيزه في القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان، والقضاء على الجوع، وتمكين المرأة، وحماية النظم الإيكولوجية.

إضافة إلى ذلك، فإن من الأهمية بمكان إذكاء الوعي العام بأهمية الشاي في ما يتصل بالتنمية الريفية وبسبل العيش المستدامة، وهو ما يعني بالضرورة تحسين قيمته بما يسهم في تحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

الشاي وتغيير المناخ:

عملية انتاج الشاي حساسة جدًا في ما يتصل بالتغيرات في الظروف الزراعية. إذ يمكن انتاج الشاي في ظروف زراعية إيكولوجية دقيقة ومحددة وحسب، وبالتالي فإن إنتاج الشاي يقتصر على دول بعينها، وهي دول سيتأثر عديد منها بتغير المناخ.

فالتغير في درجة الحرارة ، وأنماط هطول الأمطار، وزيادة نسبة الفيضانات وموجات الجفاف بدأ يؤثر بالفعل على المحصول وجودة إنتاج الشاي وأسعاره، مسببًا انخفاضًا في مستوى الدخل ومهددًا سبل العيش في الأرياف. ومن المتوقع أن تزداد هذه التغيرات المناخية حدة، مما يحتّم اتخاذ تدابير تكيف عاجلة. وبالمقابل، هناك تأكيد متزايد على ضرورة المساهمة في التخفيف من حدة تغير المناخ من خلال الحد من انبعاثات الكربون الناتجة عن إنتاج الشاي وتصنيعه.

على الدول المنتجة للشاي إدماج تحديات تغير المناخ، المتعلقة بالتكيف معه والتخفيف من حدته، في إستراتيجياتها الوطنية الخاصة بتطوير إنتاج الشاي.

طقوس ارتشاف الشاي حول العالم:

تشتهر الهند بخلط أوراق الشاي الأسود مع التوابل، مثل القرفة والزنجبيل وجوزة الطيب والقرنفل والهيل والفلفل، على الرغم من اختلاف الوصفات الإقليمية في الهند..
ويُعد الشاي الحار عنصرًا رئيسًا في الحياة اليومية، إذ يتناوله الهنود أثناء التنقل، ويقدمونه للضيوف، ويباع في كل شارع تقريبًا في أكواب طينية صغيرة مستدامة مصنوعة من أرض البلد، ويعد غبار هذه الأكواب الفخارية مكونًا رئيسًا للحصول على المذاق الحقيقي لهذا المشروب الوطني.
ويشرب شعب التبت الشاي مضافا إليه بعض الزبدة المالحة، والحليب والملح بعد غليه لساعات طويلة في وعاء معدني صغير يسمى السماور، ثم يقدم في أكواب كبيرة.

وفي الصين:

تقام حفلات الشاي الصيني التقليدي، الذي تتضمن طقوسه وطريقه إعداده إناء، ومصافي، وملقط، ومناشف شاي، وصينية تخمير، وأكوابًا عطرية تُستخدم فقط للشم – وليس للشرب.

وتقوم هذه الحفلات على دعوة الضيوف لشم الأوراق قبل التخمير كخطوة أولى، ثم تدفئة الكؤوس بغسلة من التخمير الأول للشاي، وبعد ذلك يتم السكب بشكل مثالي عن طريق ترتيب الأكواب في دائرة، والسكب من الأعلى بحركة واحدة مستمرة حتى يمتلئ كل كوب.
ويُتوقع من الضيوف حمل الكوب – والصحن المصاحب له بكلتا اليدين، لشرب الكوب ببطء وتذوق النكهة، ثم يحتضن الضيف الكوب الفارغ للاستمتاع بالرائحة بعد زوال الشاي.
وفي تايلاند ثقافة فريدة من نوعها للشاي التايلاندي المثلج ذي اللون الكهرماني المميز أو الـ Cha Yen، وهو مزيج من شاي سيلان أو أسام مع السكر والحليب المكثف والتوابل مثل الينسون والتمر الهندي وزهر البرتقال، يقدم مع الثلج في كوب طويل.
وفي باكستان يُعدالشاي مشروبًا شائعًا يُقدم مجانًا للضيوف في جميع الأنحاء.
ويعد Noon Chai أحد عناصر الثقافة الكشميرية، وهو مزيج خاص من الشاي يحتوي على خليط من الفستق واللوز والملح والحليب والتوابل مثل الهيل والقرفة واليانسون.

ويتم تقديم Noon Chai في المناسبات الخاصة، وعادة ما يتم الاستمتاع به مع المعجنات الباكستانية مثل الشيرمال، وكاندير تشوت، والبكارخاني، والكولتشا.
ويشرب البريطانيون الشاي عدة مرات في اليوم، ولكن شاي بعد الظهر التقليدي afternoon tea هو جزء كبير من الثقافة البريطانية.
والنوع الأكثر شيوعًا هو شاي الإفطار الإنجليزي، وهو شاي أسود ذو مذاق قوي يتناسب مع السكر والحليب.
ويحتوي المشروب المميز لماليزيا على الشاي الأسود والسكر والحليب المكثف يسمى teh Tarik، وما يجعله مميزًا هو كيفية مزجه لتحقيق قوامه الرغوي، إذ يقوم صانعوه بصب المشروب ذهابًا وإيابًا بين الأكواب.
ويُحضر الشاي التركي في إبريق مزدوج خاص، إذ يُغلى الماء في جزء واحد من الإبريق، ويُسكب الشاي نفسه في الجزء الآخر.
وعادة، يُشرب الشاي في تركيا من أكواب صغيرة للغاية زجاجية على شكل الخزامي ومضاف إليه كميات كبيرة من السكر.
ويعد في المغري شاي النعناع عنصر رئيس في الضيافة المغربية، ولكن عملية تحضيره معقدة قليلاً ولكنها تستحق العناء، وتعد بوضع القليل من الشاي الأخضر في إبريق وعليه الماء الساخن أو المغلي ويغطى الإبريق ويترك لمدة دقيقة ثم يسكب الشاي في كوب ويترك على جنب.
وفي الإبريق السابق نفسه، يوضع القليل من الماء المغلي ثم يحرك جيدًا ويسكب في كوب آخر ولكن هذه المرة يتم التخلص منه، ثم يوضع كوب الشاي الذي تم تحضيره في البداية ثم يملأ الإبريق بالماء المغلي ثم يوضع على نار هادئة على الموقد ويترك ليغلي لمدة دقيقتين تقريبًا، وبعد رفع الشاي من النار تضاف كمية كبيرة من أوراق النعناع الطازجة ومكعبات السكر ويقلب، ثم يسكب في الكوب ثم إلى الإبريق مرة أخرى مع تكرار العملية عدة مرات ثم يصبح جاهزًا للشرب.

ويبقى الشاي محطة فريدة للراحة والاستجمام اليوميين في حياة عشاقه.

 

مطعم الأرز المديني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى