مؤسسة فتحي آل شنار
أقلام

أيها العام

جاسم عساكر

عام بكل انتصاراته وانكساراته، يعلن انسحابه من ساحة العمر كفارس مهزوم ينزف آخر ما تبقى من دقائقه وثوانيه، لتجف شرايينه من الوقت تمامًا، ثم يتكئ الفراغ ويغمض أجفانه مودعًا في كفن الأمس، وعام جديد يولد في مهاد الكون، أتمنى له أن يكون أكثر حبورًا وزهوٍا بألوان الطفولة الجديدة، وأن يزداد وسامة في مراحل نموه (الاثنى عشر) مرحلة، يتجول في شوارع أيامنا، وفي آفاقه تعلو الأناشيد الحانية الخضراء، وتتردد أصداء الأنغام السعيدة، مقشرًا طبقات السواد التي تغلف جلدة هذا العالم، حافظًا وفاق المواعيد الجميلة بين النسائم  والعصافير الذاهبة إلى مدارسها كل صباح.
أيها العام:
أرجو أن توزع دفاترك الخضراء على طلاّبك، وأن تترك أغصانك الزاهية بالمسرات تنعكس على مرايا الماء في نهر أحلامهم الجاري برغم السدود الكبيرة، وأن تترك لهم حرية أن يقلبوا صفحات تلك الدفاتر بأنامل الروعة، وأن يرسموا أمانيهم وآمالهم حتى آخر لون.
أتمنى عليك وأنت تجلس على سدة عرشك الجديد، أن لا تمطر أراضينا بالرصاص العدواني الحاقد الذي يطفئ وجه الأمل وينشر رائحة الحماقة والقنوط، وأن تدع الليالي التي لم تكن تغفو سوى على أصوات المدافع والقنابل والنار أن تفيق على صوت الأمان والاطمئنان،
لا تدع خطوط الخوف والذعر تنرسم على صفحات وجوه الأطفال، لا تقصف مراجيحهم في الحدائق العامة، لا ترسل شواظ نارك على قلوب الأمهات الطاعنات في الحزن، لا تئد أحلام المطر العذبة في بلسمة جراح الحقول كي لا تضطرب الحياة وتعيش الأطيار موسم الهجرة والرحيل المستديم، وتتوارى الأرض خلف ملفع أحزانها الأسود المبلل بدموع أبنائها الثكالى والمحرومين والمقهورين، وترتفع موجات الفجيعة والفقد كالصارية والشراع، وتنهمر الدموع.
لا نطمع في زيادة محصولنا من ثمار الوجع، ولا نسعى إلى استخراج شهادة وفاة لفقيد جديد، نريد الوقت يلوح بارقة أمل في عمق العتمة والهزيمة، ومصباح حلم معلقًا على صدر الحياة ينافح بفتيل إيمانه ظلمة القهر، لتشتعـل الدنيا فتوة وشبابًا وعمارًا وصدقًا، نريد أن يتجلى أولياء الصداقة الحقة ما بين الشعوب آخذين بأيدينا معهم إلى جزيرة أمن مضيئة، وحلم خلاص يزهو، وشاطئ رحمة معشوشب بالنماء وبالخصب، فتكف الريح عن الصراخ في وجه العصافير العائدة إلى الأعشاش، ويمرّ سرب الغيم الأبيض مرفرفًا بأجنحة الفرح الغامر على شرفات الأيتام، وينهزم الطغاة، ويعود الغرباء إلى أوطانهم سالمين.

مطعم الأرز المديني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى