أقلام

حرية الإرادة: لماذا يؤمن الناس بها حتى عندما يعتقدون أنهم معرضون للتلاعب النفسي

بقلم ماجدة عثمان، باحث رئيس مشارك في صنع القرار الأساسي والتطبيقي، كلية الأعمال في جامعة كامبريدج

المترجم: عدنان أحمد الحاجي 

نرغب جميعًا في أن نعتقد بأننا أحرار في اتخاذ خياراتنا بأنفسنا. في الوقت نفسه، يعتقد الكثير من الناس أن الأساليب السيكولوجية (النفسية) دائمًا ما تُوظف للتأثير في قراراتنا(1) – ابتداءً من ترندات (اتجاهات) وسائل التواصل الاجتماعي إلى الإعلانات التجارية.  فكيف نوفق بينهما؟

والمثير للدهشة هو أن هذا السؤال قد تجاهله معظم الباحثين حتى يومنا هذا. لكن في سلسلة من الدراسات الحديثة، سألنا الناس، “أين في حياتكم اليومية تعتقدون أن التكتيكات السيكولوجية قد وُظفت للتأثير فيكم والتلاعب بقراراتكم بشكل لا شعوري [على مستوى اللاشعور أو على مستوى العقل الباطن]؟” – ودرسنا ما قد تعنيه هذه التكتيكات لإعتقادهم بحرية الإرادة(2).

في دراسة أجريت عام 2018 في أربع دول (أستراليا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية)، كانت الردود على السؤال أعلاه متشابهة بشكل ملحوظ(3). في الواقع، كان لهذه التكتيكات النفسية تأثيرات تجاوزت العمر والجنس والتدين والانتماء السياسي.

ما يقرب من 45٪ من الأمثلة التي أعطاها الناس على التلاعب النفسي(4) أشارت إلى التسويق والإعلانات التجارية – وخاصة “الإعلانات التجارية الموجهة بشكل ضمني [الإعلانات التجارية التي تخاطب اللاشعور (العقل الباطن) subliminal advertising، وتستخدم في الدعايات التجاربة من حيث كونها سريعة وقصيرة وتؤثر في المشاهد / السامع(5)] “(باستخدام صور أو أصوات لإغراء أو إقناع الأشخاص من حيث لا يشعرون). ومن الأمثلة على تكتيكات التلاعب النفسي التي تأتي في الدرجة الثانية بعد الأمثلة الأولى (19٪) كانت الأبحاث العلمية (مثل استخدام العلاج الوهمي – للتأثير على العقل الباطن بأنه علاج ناجع(6) )، ويأتي بعد ذلك في الدرجة الثالثة حملات الانتخابات السياسية (7٪)، ثم تأتي في الدرجة الرابعة وسائل التواصل الاجتماعي (4٪) والعلاج بالتنويم المغناطيسي (4٪).

عادة ما يصف الناس الأساليب التي تغير المزاج والمشاعر والأفكار بشكل خفي (على مستوى العقل الباطن) بطريقة تقنعنا باختيار أو فعل أشياء لم نوافق عليها بشكل واعٍ (على مستوى الوعي). على سبيل المثال، المحلات التجارية تمد أنبوبًا الى الخارج ينفث رائحة الخبز الطازج لاغراء الناس  بالدخول والشراء.  أثناء الخطب السياسية، قد يركز السياسي على كلمات محددة لإقناع الناس بدعمه وانتخابه.  على الرغم من أننا نعرف أن مثل هذا الشيء يمكن أن يحدث، فإننا عادة لا نستطيع التأكد متى نكون عرضة للتلاعب النفسي بهذه الأساليب.

لكن هل تنجح أساليب مثل الرسائل الضمنية (التي تخاطب اللاشعور) بالفعل؟ لم يتوصل البحث النفسي  إلى الإجابة على هذا السؤال(7).  لكن من المثير للاهتمام التأمل في كيف يؤثر كل هذا في اعتقادنا بحرية الإرادة.

سيناريوهات التقييم

شرعنا في دراسة هذا الموضوع على مدى العامين الماضيين. في ثماني دراسات، عرضنا على 1230 شخصًا سيناريوهات بناءً على الأمثلة السابقة التي تطوع أشخاص بها ضمن دراسة أجريت في عام 2018(8). السيناريوهات كانت من مجموعة من السياقات (التسويق / الإعلانات التجارية والدراسات البحثية والحملات السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي والعلاجات الطبية).

لكل سيناريو من هذه السيناريوهات، كان على المشاركين تقييم مدى اعتقادهم بوجود تلاعب نفسي (من عدم وجود تلاعب على الإطلاق إلى وجود تلاعب تام – [المترجم: بحصول التلاعب التام تُسلب حربة الاختيار])، ومدى الحفاظ على حرية الاختيار(9) (من سلب تام لحرية الاختيار إلى حرية اختيار تامة).

كان على كل شخص من المشاركين إعطاء تقييمه لمستوى حرية الاختيار(9) وتقييمه للتلاعب النفسي [المترجم: درجة التلاعب النفسي هنا دالة على درجة سلب حرية الاختيار] عدة مرات لأنه كان عليهم تقييم كل من السيناريوهات التي عُرضت عليهم.  نتيجة جمع جميع أرقام التقييمات المعطاة من جميع الدراسات الثمان لجميع المشاركين البالغ عددهم 1230 مشاركًا كانت أكثر من 14 ألف تقييم من كلا عمليتي التقييم لحرية الاختيار والتلاعب النفسي . نتيجة ما مجموعه 3.7٪ من الـ 14 ألف تقييم لحرية الاختيار كانت  “0” (أي لا توجد حرية اختيار على الإطلاق – أي سلب تام لحرية الاختيار) ونتيجة ما مجموعه  8.4٪ كانت “10” (أي كان هناك حرية اختيار تامة) – والباقي خليط بينهما.

[المترجم: مقياس متدرج من صفر إلى عشرة استخدم لمعرفة مقدار التقييم، حيث رقم صفر يعني لا توجد حرية اختيار، أو، في الجانب الآخر لا يوجد تلاعب نفسي]

هذه مؤشرات أولية، لكنها تعطي انطباعًا معقولاً أنه حتى في الحالات التي وُصف فيها حدوث تلاعب نفسي ، كان هناك نسبيًا مقدار من العزو(10) لحرية الاختيار(9) التامة أكثر من حالات السلب التام لحرية الاختيار. بالنسبة لتقييمات التلاعب النفسي، ما نسبته 3.4٪ كان  “0”  (أي عدم وجود تلاعب نفسي – بمعنى آخر، كانت هناك حرية اختيار تامة) و 9٪ كانت “10” (أي وجود تلاعب نفسي  تام – أو بمعنى آخر، سلب تام لحرية الاختيار). بشكل عام، من المرجح أن يعتقد الناس بأن لديهم حرية اختيار تامة أكثر مما يعتقدون بأن حرية اختيارهم مسلوبة تمامًا، لكن أيضًا من المرجح أنهم يعتقدون بأنهم تعرضوا للتلاعب النفسي في بعض الأحيان أكثر مما يعتقدون بأنهم لم يتعرضوا له على الإطلاق.

كنا نتوقع أن نجد ما يسميه الباحثون الارتباط (التلازم) السلبي [المترجم: التلازم السلبي هو علاقة عكسية بين متغيرين، إذا زاد أحدهما انخفض الآخر بشكل طردي]. أي أنه كلما زاد عدد الذين يعتقدون أنهم تعرضوا للتلاعب، كلما انخفض مستوى اعتقادهم بأن لديهم حرية إرادة.  لكن هذا ليس ما وجدناه. في معظم الدراسات، لم يكن هناك ارتباط موثوق به بين هاذين المتغيرين.  كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟

تبرير المعتقدات

أحد الأسباب التي يمكن أن تبرر ما وجدناه هو طريقة تفكيرنا في أساليب التلاعب النفسي.  نعتقد أن هناك احتمال أن أساليب التلاعب النفسي لا تؤثر فينا كثيرًا، على المستوى الشخصي – مما يجعل الناس يعتقدون أنهم لا يزالون مسؤولين عن خياراتهم.

ومع ذلك، وجدنا اختلافًا عندما أعطى المشاركون تقييمات من وجهة نظر غير شخصية (موضوعية) وعندما طُلب منهم تخيل أنفسهم وكأنهم قي هذه السيناريوهات.  كلما كان تخيل الناس جليًا بإمكانية تعرضهم للتلاعب النفسي، كلما لاحظوا أن هذا يمس بحرية اختيارهم.  لكن الاحتمال الوارد هو أننا منحازون لاعتبار الآخرين معرضين للتلاعب النفسي أكثر مما نحن متعرضون له.

لم تكن السيناريوهات متساوية أيضًا.  بعض الناس لا يهتمون بشكل خاص باحتمال تعرضهم للتلاعب النفسي.  فلو وجَّهتْنا أساليبُ التسويق والإعلانات التجارية إلى اختيار علامة تجارية رخيصة من معاجين الأسنان على علامة تجارية أخرى، فهذا لا يهم طالما أننا نوفر بعض المال.  لذلك يبرر الناس إيمانهم بالإرادة الحرة بافتراض أن التلاعب النفسي يحدث فقط في الحالات التي لا يهتمون بها كثيرًا أو يختارونها بشكل مقصود [عن سابق رضًا منهم أن يقعوا ضحية لذلك التلاعب النفسي – أي يرضون به].

قد يكون هذا أمرًا معقولًا بالنسبة للإعلانات التجارية.  ولكن لو كنا في طريقنا إلى إحدى نقاط الاقتراع، ندعي أن تصويتنا لمن نريد أن نصوت له قد وقع ضمن حرية اختيارنا، وليس توليفات من تكتيكات نفسية أثرت في عقلنا الباطن.  في مثل هذه الحالة، من المرجح أن نعتقد أنه لا يوجد تلاعب نفسي، أو أننا محصنون بطريقة ما ضده.

ما تخبرنا به نتائج دراستنا هو أننا على المستوى الجوهري نريد أن نحتفظ باعتقادنا بأننا أحرار في اختيارنا.  لكن مدى حفاظنا على هذا الاعتقاد يبدو أنه يعتمد على ماذا على المحك.  على الرغم من أن هذا قد يبدو غير منطقي، إلا أنه مفيد وسليم إلى حد ما.  في النهاية، سينهار العالم كما نعرفه تمامًا لو رفضنا الاعتقاد بأننا مسؤولون عن تصرفاتنا.

مصادر من داخل وخارج النص

1- https://theconversation.com/to-what-extent-are-we-ruled-by-unconscious-forces-161216

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/حرية_الإرادة

3- https://psycnet.apa.org/record/2020-00115-001

4- https://specialties.bayt.com/ar/specialties/q/375154/ماهى-الرسائل-الموجهة-الضمنية-الرسائل-اللا-شعورية-what-is-the-subliminal-message-وماهى-البرامج-الممكن-استخدامها

5- “التلاعب النفسي (psychological manipulation) هو نوع من التأثير الاجتماعي الذي يهدف إلى تغيير نظرة أو سلوك الآخرين من خلال تكتيكات مسيئة أو خادعة أو خفية، تضع اهتمامات الشخص المتحكم كأولوية وغالبًا على حساب الآخرين. يمكن اعتبار مثل هذه الأساليب استغلالية أو مسيئة أو ملتوية أو خادعة إلا أن تأثيرها الاجتماعي ليس سلبيا بالضرورة. كأن يحاول طبيب إقناع مريض بتغيير عاداته غير الصحية.  يمكن اعتبار التأثير الاجتماعي غير مؤذٍ بشكل عام في حال احترامه لحق الشخص المؤثر فيه في القبول أو الرفض بغير استخدام الأساليب التعسفية / القهرية التي لا داعي لها، في المقابل قد يشكل التأثير الاجتماعي تلاعبًا تحكميًا خفيًا وذلك بناءً على سياقه ودوافعه.”  مقتبس من نص ورد على هذا العنوان:

https://ar.wikipedia.org/wiki/تلاعب_نفسي

6- https://ar.wikipedia.org/wiki/علاج_وهمي

7- https://psycnet.apa.org/record/2014-08885-001

8- https://www.repository.cam.ac.uk/handle/1810/330509

9- https://ar.wikipedia.org/wiki/حرية_الاختيار

10- https://ar.wikipedia.org/wiki/إسناد_(علم_النفس)

المصدر الرئيس

https://theconversation.com/free-will-why-people-believe-in-it-even-when-they-think-theyre-being-manipulated-196316

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى