أقلام

أيها البحر.. ماهي الأخبار ؟

عبدالباري الدخيل 

من أصعب الأمور حبس الخبر السعيد في الصدر، فما أن تسمعه حتى تبحث عن صديق تبوح له بهذا السر.

وهذا ما حصل مع (حياة)، جاءت اليوم مع قطتها البيضاء كالقطن، وجلست تتأمل السماء الصافية إلا من غيمات قليلة متفرقة تلونت بلون الغروب الساحر، وما أن جلست تحت شجرتها القريبة من قلبها، مستقبلة البحر هذا الشيخ العجوز الذي ينصت دائمًا لشكواها بلا كلل ولا ملل، حتى تحركت المشاعر.

في البداية حاولت أن تخفي عن أصدقائها الثلاثة (البحر، الشجرة، القطة) مصدر سعادتها، وسبب فرحها، لكنّ شيئًا ما كان يتحرك في داخلها ويريد أن يهرب من سجنه.
فصوت هديل الحمام ذكّرها بقصيدة أبي فراس الحمداني:

أَقولُ وَقَد ناحَت بِقُربي حَمامَةٌ
أَيا جارَتا هَل تَشعُرينَ بِحالي
أَيا جارَتا ما أَنصَفَ الدَهرُ بَينَنا
تَعالِي أُقاسِمكِ الهُمومَ تَعالِي

لذا تأوهت وهي تكشف أوراقها: يا أصدقائي..
إنه قادم..
البريد حمل رسالة تقول إن موعده الليلة..
الساعة الثامنة.
صمتت لثواني ثم أكملت: لا تخافوا لن أترككم، غدًا سوف أدعوه لزياتكم، وسوف أعرفكم به.

قبل أن تختطفه الغربة كان حبي الأول والأخير ومازال، لذلك رفضت فكرة سفره، قاومت القرار الذي سيبعده، قررت مرافقته، حاولت أن يؤجل هذا القرار لعام أو عامين بلا فائدة.

تدخلت أمي لتشرح لي لكن لم أفهم، جاء أبي وجلس معي ليثنيني لكنه لم يستطع، وذات صباح غافلني وجر حقيبته ورحل.

خمس سنوات مرت منذ قرر أخي أن يسافر ليكمل دراسته.. أخي (محسن) الولد الوحيد سبقته ثلاث فتيات، وقد حاول والداي أن ينجبا له أخًا فجئت أنا.
كان رقيق العواطف، جميل الأخلاق، يشبه أبي في قوته، وأمي في حنانها، ملامحه مميزة، شعر مموج، عينان واسعتان، بنية رياضية، طوله أكثر من متر ونصف لعله ١٦٥سم.

حصل على رعاية وعطف أمي وأخواتي، فصار إبنٌ لأربع أمهات، يدللنه ويهتممن به، حتى غار منه أبي.
سفره كان الحدث الأبرز في العائلة، شجعه أبي لأن حلم حياته أن يكون ولده طبيبًا يعالج الناس، وأمي كانت تخفي رفضها لأنها رغبة أبي.

اليوم يعود أخي منتصرًا على الغربة، يحمل شهادة طبيب عام، وبعودته تكتمل فرحتنا وتعود الابتسامة لوجه أمي، والفرح لقلبي.

أعدّت أمي طعام العشاء، وجلسنا نعدّ الثواني وكأنها سنوات، وقد انشغل أبي بمشاهدة قناة الأخبار، وعندما أعلن المذيع تمام الثامنة لتبدأ النشرة؛ تسرّب القلق إلى قلبي.. لماذا تأخر؟
وقفت أمام النافذة، وأزحت الستارة، الطريق هادئ كعادته هادئ في هذا الوقت.
رجعت إلى جهت أمي وهي تتأكد من استواء الطعام، قلت: لقد تأخر.
قالت وهي تحرك الحساء: من صبر خمس سنوات لا تضره خمس دقائق.

نظرت إلى أبي وقد تأنق في لباسه، وسرّح باقي شعره، وحلق ذقنه وبرم شواربه، التفت ناحيتي وقال: “حياة، قولي لأمك تحضر (المبخر) فالعريس على وصول”.
العريس؟ سألت نفسي
نظرتُ إلى أمي فرأيت ابتسامة فرح تحتل كامل وجهها.

وأنا في حيرتي، دخل علينا أخي وبجانبه فتاة لا أعرفها.
توجه ناحية أبي يقبل رأسه ويده، وعانقته أمي وعيونها تمطر بالدموع، ثم عانقت الفتاة وقبلتها.
وأنا وقفت كالصنم لا أفهم من هذه القادمة!
تقدم ناحيتي وقال: “حياة.. لقد كبرتي يا فتاتي”، تعالي أعرفك على زوجتي (أمل).

تركتهم وتوجهت لحجرتي وأنا أبكي: من أين جاءت أمل هذه لتنافسني في حب أخي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى