(وقل ربِي زدني علماً)

img

د/ عبدالجليل الخليفة

تحدثنا في مقالة سابقة تحت عنوان (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) عن مسيرة الأفراد والمجتمعات والشركات الى الكمال (كفاءة و مثابرة و استقامة و لذة الفريق).

و عرّفنا الكفاءة بالعلم والثقافة والخبرة والهواية والمهارات كالخطابة والكتابة، فهي تشمل الجانب الفكري والفني في حياة الأنسان.

وسينصب حديثنا هنا عن العلم.  يذكر أن حكيماً جمع أولاده الثلاثة و أراد أن يعلمهم درساً عملياً فأخبرهم أنه قرّر أن يقسِم بينهم ثلاثة أشياء ثمينة ألا و هي: المال والجاه والعلم. وطلب أن يختار كل واحد منهم ما يشاء، فأختار الأكبر الجاه و أختار الأوسط العلم و أختار الأصغر المال،  فأعطى كل واحد منهم ما أراد.

سمع أهل المدينة بما حدث فأنقسموا بين مؤيد للمال و آخر للجاه و آخر للعلم. و أشتدّ النزاع بين الناس فجاؤا ليسألوا الحكيم عن رأيه. أخبرهم الحكيم أن الجواب سيكون بعد عام كامل .

سافر الأخوة الثلاثة معاً كما أوصاهم والدهم الحكيم، وقد أنفق الأبن الأصغر المال و أشترى كل ما يحتاج له المسافرون.

و بعد مسير عدة أيام، وصلوا الى المدينة التي أرادها والدهم.  دخل الإبن الأكبرعلى شيخ المدينة فحيّاه أكبر تحية، فقد رأى آثار الجاه على محيَاه، و أكرم ضيافته مع أخويه. بقي الأخوة في المدينة عدة أشهر في ضيافة الشيخ.

و في أحد الأيام، مرضت أبنة الشيخ مرضا شديداً فأرتفعت حرارتها و تغيرت ألوانها و صارت بين الحياة و الموت، حتى أحتار أطباء المدينة في علاجها.

هنا أنبرى الأخ الأوسط صاحب العلم و طلب من الشيخ أن يسمح له بعلاج أبنته، فكان ماأراد.

فوصف لها وصفة من الأعشاب الطبية، و ماإن تناولتها حتى تماثلت الى الشفاء فعادت لها عافيتها وأحتفل أهل المدينة بصحتها.  ألتفت شيخ المدينة الى الإخوة و قال لهم، أحفظوا أخاكم فإنه أوسطكم عمراً، و أنفعكم علماً.  ودّع الأخوة الثلاثة الشيخ و أهل المدينة و أنطلقوا الى مدينة أخرى كما أوصاهم والدهم.

وصلوا الى المدينة الأخرى فحيّاهم شيخها و قد رأى مظاهر الوجاهة على صاحب الجاه.  أستقرّ بهم المقام شهرا  في ضيافة الشيخ وهو يفسح لهم المكان ويبسط لهم المقام في سرور وأمان.

ذات يوم و بينما هم جلوس، دخل عليهم ثلاثة من القبيلة وقد تطاير الشرر في أعينهم و نزغ الشيطان بينهم و طلبوا من الشيخ أن يحكم في قضيتهم.

سألهم الشيخ عن أمرهم فأخبروه أن لديهم مائة وسبعون بعيرا، لأولهم نصفها، وللثاني ثلثها وللثالث تسعها، وقد أحتاروا في قسمتها، فالعدد لاينقسم و البعير إن قسِم مات.

أحتار الشيخ في قضيتهم فألتفت الى ضيوفه عسى أن يجد الحل عندهم.  قال صاحب المال أعطيكم من مالي مايرضيكم، فأجابوه لسنا فقراء فقد أغنانا الله من فضله، إنما نريد حل قضيتنا.

أنبرى الأخ الأوسط صاحب العلم فيهم، و قد تذكّر قضية مثلها، حكم صاحب العلوم الكبرى فيها، فقال أنا أقسِمها بينكم.  تعجّب الجميع، و هدأ الصراخ، و مدّ كل واحد عنقه ليسمع الكلام.

قال أسمحوا لي أن أضيف من عندي عشرة من الأبل فيصير الجميع مائة و ثمانون.  سألوه ثم ماذا؟  قال لأولهم: لك نصفها فخذ تسعين، و قال للثاني: لك ثلثها فخذ ستين، و قال للثالث: لك تسعها فخذ عشرين، فيكون ما أخذتم مائة وسبعون، و تبقى لي العشرة التي أعطيتكم إياها.  أبتسم الحضور و قال شيخ المدينة للأخوة الثلاثة أحفظوا أخاكم فإنه نور لكم.

سافر الأخوة كما أوصاهم أبوهم سفرهم الأخير الى جزيرة تبعد عنهم مسيرة أربع ساعات بسفينة بخارية.  ركبوا السفينة حتى وصلوا الى الجزيرة، فأستضافهم شيخها و قد أخذه جاه الأخ الأكبر إعجاباً و سروراً.

بسط لهم الشيخ المكان وأستضاف أهل الجزيرة على مائدتهم.  كانت الجزيرة جنة خضراء، عمّ أهلها الخير و السرور. تعرّف  الأخ الأكبر صاحب الجاه على رجال الجزيرة و شيوخها فقضى الأيام معهم في حبور و سرور. و أجتمع الأخ الأصغر صاحب المال مع تجارالجزيرة،  فأشترى من أخشابها وثمارها،  راجياً أن يبيعها حين يعود من سفره.

أمّا الأخ الأوسط،  صاحب العلم، فقد أخذه الإعجاب بالسفينة البخارية فقضى أغلب الوقت في موانيء الجزيرة  حيث ترسو السفن يدرس عملها و يفكر في صلاحها و خرابها.

وهكذا قضى الأخوة الثلاثة أكثر من شهرين في الجزيرة، و قد فات قرابة عام منذ أن غادروا بلادهم،  فقرروا ان يرجعوا الى أبيهم الحكيم كما أوصاهم.

خرج شيوخ الجزيرة ووجهاؤها لوداع الأخ الأكبر صاحب الجاه، و خرج التجار لوداع الأخ الأصغر صاحب المال، أمّا صاحب العلم فقد كان في صحبة أخويه، لم يعرف له أهل الجزيرة فضلاً.

ركب الأخوة الثلاثة السفينة و سافر معهم جمع كثير من أهل الجزيرة و سارت بهم السفينة تمرخ بهم البحار.  و بعد ساعتين، غابت السفينة عن الأنظار. و فجأةً تعطلت ماكينة السفينة البخارية، فوقفت السفينة و حاول المهندسون إصلاحها دون جدوى.

أحتار الملاحون و قد تملكهم الخوف و الذهول، فقد تضرب العواصف العاتية السفينة خاصة في هذا الزمان و المكان. سلّم أهل السفينة أمرهم للواحد القهّار، ومعهم الأخ الكبير صاحب الجاه و الأخ الأصغر صاحب المال خائفين مذعورين.

نزل الأخ الأوسط الى غرفة الماكينة، و قد بدى عليه العلم والوقار. عرفه الملاحون و المهندسون فقد رأوه شهرين كاملين في الميناء يزور سفنهم و يتدبر أمر المكائن، يسأل عن أسرارها و يفكر في علومها.

كان الخراب في ترس مكسور وليس لديهم بديل له.  طلب منهم أن يحموا له النار، حتى إذا ذاب النحاس والحديد، صبّه  في قالب يشبه الترس المكسور.

بعد أن تركه يبرد، حدّده و شذّبه و ساعده المهندسون فركّبوه و أداروه. أبتسم الملاحون و أبحرت السفينة فهلّل الركاب قائلين: (العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال)، و نادى آخرون: ( هلك خزان الأموال و هم أحياء، و العلماء باقون مابقي الدهر).

وصل الأخوة الى أبيهم الحكيم و أجتمع أهل المدينة ليسمعوا راي الحكيم و أبنائه. ألتفت الأخوان الأكبر و الأصغر الى أخيهم الأوسط في محضر والدهم الحكيم و أهل المدينة و أخبروا الجميع بما حدث، فالأخ الأوسط قد عالج المريضة، و حلّ المعضلة وأصلح السفينة.

فقال الحكيم مسروراً، صدق الله تعالى حيث قال: (وعلّمك مالم تكن تعلم و كان فضل الله عليك عظيماً). إننا في زمن يتنافس فيه البشر على جوائز نوبل و براءات الأختراع و صناعات التكنولوجيا.

و أنا على يقين أن من أبنائنا و بناتنا من هو أهلٌ لذلك.  ولنتذكر قوله تعالى: (و لما بلغ أشدّه و استوى، آتيناه حكماً و علماً و كذلك نجزي المحسنين).

اترك رداً