دراسة: دواء يحسن أعراض التوحد من خلال استهداف النواقل الكيميائية في الدماغ

img
أقلام 0 بشائر الوسوم:, ,

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

راجعته ودققته الدكتورة أمل حسين العوامي، استشارية طب نمو وسلوك الأطفال.

بومتانياد وهو دواء يوصف للوذمة (وهي تجمع سوائل في الجسم) يحسن بعض الأعراض لدى الأطفال الصغار الذين لديهم إضطرابات طيف التوحد وليس لهذا الداوء آثار جانبية معتد بها، كما تؤكد دراسة جديدة قام بها باحثون في الصين والمملكة المتحدة. تُظهر الدراسة التي نُشرت في ٢٧ يناير ٢٠٢٠ في مجلة ترانسلاشيونال سايكتري (الطب النفسي الإنتقالي)، أثبتت الدراسة لأول مرة أن الدواء يحسن الأعراض بتقليل نسبة غابا GABA إلى الغلوتامات في الدماغ. GABA والغلوتامات كلاهما ناقلان عصبيان – وهما رسائل كيميائية تساعد الخلايا العصبية في الدماغ على التواصل.
إضطراب طيف التوحد (ASD) هو إضطراب نمائي عصبي مقدر أنه يصيب واحدًا من كل ١٦٠ طفلًا في جميع أنحاء العالم. يتميز هذا الإضطراب بضعف في التواصل الاجتماعي ، والذي يتجسد كمشاكل في معرفة المشاعر والتواصل غير اللفظي، كالإتصال البصري والتبسم، وفي الفشل في تطوير علاقات إجتماعية والحفاظ عليها ومعرفتها. يميل الأشخاص الذين لديهم توحد أيضًا إلى إهتمامات محددة ويظهرون سلوكاً متكرراَ. وفي الحالات الخفيفة للتوحد، قد يعيش الأشخاص بشكل مستقل، ولكن بالنسبة للبعض قد تكون الحالة شديدة، وتتطلب رعاية ودعماً مدى الحياة.
على الرغم من أن الآليات البيولوجية الكامنة وراء هذا الإضطراب لا تزال غير معروفة إلى حد كبير، فقد أشارت الأبحاث السابقة إلى أنه قد ينجم عن تغييرات في تطور الدماغ في وقت مبكر من الحياة، وخاصة فيما يتعلق ب غابا GABA، وهو ناقل عصبي، ناقل كيميائي، في الدماغ يتحكم في كيف تتواصل الخلايا العصبية. في دماغ الشخص البالغ، يعد غابا GABA عاملاً مثبطًا، مما يعني أنه يوقف الخلايا العصبية عن العمل. في حياة الطفل وهو جنين (قبل الولادة) وما بعد الولادة المبكرة، يكون هذا الناقل العصبي في حالة إثارة في الغالب، حيث يعمل على تشغيل الخلايا العصبية وجعلها تومض وينبعث منها جهد فعل (ومض عصبي) للتعريف، وتلعب دورًا رئيسيًا في تطور الخلايا العصبية ونضوجها / بلوغها. التعديلات في تبديل غابا GABA (من الإثارة إلى التثبيط) يمكن أن يتسبب في حدوث تأخير في متى تصل الدوائر العصبية المتطورة إلى مرحلة النضج الوظيفي، وما يترتب علي ذلك من آثار لصالح نشاط الشبكة. هذا يقتضي أن التدخل في سن مبكرة قد يساعد في خفض بعض الأعراض التي يمكن أن تجعل الحياة صعبة للأشخاص الذين لديهم توحد.
العلاجات الحالية للتوحد في سن ما قبل المدرسة هي في الأساس تدخلات سلوكية، كاستخدام اللعب والأنشطة المشتركة بين الوالدين وطفلهما لتعزيز المهارات اللغوية والاجتماعية والمعرفية / الإدراكية. ومع ذلك، بوجود موارد محدودة، هناك تفاوت في الحصول على هذه العلاجات في جميع أنحاء العالم، وخاصة في البلدان النامية.
تشير الدراسات السابقة التي أجريت على الفئران والتجارب السريرية الصغيرة التي شملت الأطفال الذين لديهم توحد إلى أن دواء البوميتانيد، الذي أعتمد للإستخدام في حالة الوذمة، وهي حالة تؤدي إلى تجمع السوائل في الجسم، يمكن أن يساعد في تقليل أعراض التوحد.
الآن، أظهر تعاون دولي بين باحثين في عدد من المؤسسات في جميع أنحاء الصين وجامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، أن دواء البوميتانيد آمن للاستخدام وفعال في الحد من الأعراض لدى الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ثلاث سنوات. التوحد يمكن تشخيصه بشكل موثوق به في سن ٢٤ شهرًا أو حتى في سن ١٨ شهرًا.
جند الفريق البحثي 83 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 3 و 6 سنوات وقسمهم إلى مجموعتين. تلقت مجموعة علاجية من 42 طفلاً 0.5 ملليغرام من دواء بوميتانيد مرتين في اليوم لمدة ثلاثة أشهر، بينما لم تتلق المجموعة الضابطة المتكونة من 41 طفلاً أي علاج. قام الباحثون بتقييم الأعراض باستخدام مقياس تصنيف التوحد في مرحلة الطفولة (CARS)، والذي يستخدم لتقييم السلوك مثل التقليد والاستجابة العاطفية والتواصل اللفظي وغير اللفظي. الأطفال الذين سجلوا درجات أعلى من ٣٠ على المقياس يُعتبرون أن لديهم توحد.
قبل العلاج، كان لدى كلتا المجموعتين علامات CARS متشابهة، ولكن بعد ذلك، حصلت مجموعة العلاج الآن على متوسط مجموع نقاط ​​قدره 34.51 (مقارنة بنتيجة المجموعة الضابطة 37.27). أيضا، الأهم من ذلك، أظهرت مجموعة العلاج إنخفاضاً كبيراً في عدد العناصر على CARS التي عينت لها درجة أكبر من أو تساوي ثلاثة، مع متوسط ​​عدد من 3.52 عنصر في مجموعة العلاج مقارنة مع 5.49 عنصر في المجموعة الضابطة.
وقال الدكتور فاي لي Fei Li من مستشفى شينخوا Xinhua، كلية الطب بجامعة جياو تونغ Jiao Tong، والذي قاد الجزء الإكلينيكي من الدراسة: “لدي العديد من الأطفال الذين لديهم إضطراب طيف التوحد تحت رعايتي، لكن بما أن موارد العلاج النفسي غير متوفرة في العديد من الأماكن، فإننا غير قادرين على تقديم العلاج لهم، وسيكون هذا العلاج الفعال والآمن خبراً جيداً لهم.
“أخبرتني والدة صبي يبلغ من العمر أربع سنوات يعيش في منطقة ريفية خارج شانغهاي وتلقى العلاج أنه الآن أفضل في التواصل البصري مع أفراد الأسرة والأقارب وأصبح قادراً على المشاركة أكثر في الأنشطة. وفي المستقبل، نأمل أن نتمكن من ضمان حصول جميع العائلات، بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه، على علاج لأطفالهم “.
لمعرفة الآليات الكامنة وراء هذا التحسن، إستخدم الباحثون تقنية تصوير الدماغ المعروفة باسم مطيافية الرنين المغناطيسي لدراسة تركيزات النواقل العصبية داخل الدماغ. ووجد الباحثون أنه في منطقتين رئيسيتين من الدماغ – القشرة الجزيرية (التي تلعب دورًا في المشاعر والتعاطف والوعي الذاتي) والقشرة البصرية (المسؤولة عن دمج ومعالجة المعلومات المرئية) نسبة غابا إلى الغلوتامات إنخفضت على مدى فترة الثلاثة الشهر في مجموعة العلاج. من المعروف أن غابا GABA والغلوتامات لهما أهميتهما بالنسبة للدونة الدماغ وتعزيز التعلم.
وقال البروفيسور تشينج بو لين من جامعة يانغ مينغ الوطنية: “هذه هي أول دراسة توضح أن البوميتانيد يحسن وظائف الدماغ ويقلل من الأعراض عن طريق تقليل كمية الناقل الكيميائي غابا GABA في الدماغ. معرفة هذه الآلية يعد خطوة رئيسية نحو تطوير علاجات دوائية جديدة وأكثر فعالية.”
قالت البرفسورة باربرا سهاكيان من قسم الطب النفسي بجامعة كامبريدج: “هذه الدراسة مهمة ومثيرة، لأنها تعني أن هناك دواءًا يمكن أن يحسن التعلم الاجتماعي ويقلل من أعراض التوحد خلال الفترة الذي تكون فيه أدمغة هؤلاء الأطفال لازالت تتطور. نعلم أن غابا GABA والغلوتامات هي نواقل كيميائية أساسية في الدماغ للدونة والتعلم، وبالتالي ينبغي أن تتاح لهؤلاء الأطفال فرصة لتحسين نوعية الحياة والصحة.”
فريق البحث يقول إكتشاف أن البوميتانيد يغير نسبة تركيزات GABA إلى الغلوتامات يمكن أن يوفر علامة بيولوجية مفيدة – وهي مقياس بيولوجي منبه – لمدى فعالية العلاج. ومع ذلك، فقد حذروا من أن هناك حاجة إلى مزيد من البحوث لتأكيد فعالية بوميتانيد كعلاج للتوحد.
وقال الدكتور تشيانغ لوه من جامعة فودان “هذه النتائج واعدة للغاية وتشير إلى أننا سنكون قادرين على إستخدام مقياس العلامات البيولوجية للتعرف على آي الأطفال الذين لديهم توحد سيستفيدون من البوميتانيد بشكل أكثر. من المؤمل أن تؤكد الدراسات الإضافية على عدد أكبر من الأطفال ما إذا كان دواء البوميتانيد علاجًا فعالًا للأطفال الذين لديهم اضطراب طيف التوحد “.

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

اترك رداً