ورطة سفر! الأولى

img
صادق العليو
0 الوسوم:, ,

تفرض علينا ظروف العمل أن نقوم أحيانا ببطولات شمشونية وسفريات ماجلانية ليس لنا فيها رغبة أو مصلحة وقد تأتي ونحن في وضع غير مناسب للسفر إطلاقا ولكن ماذا نفعل أن كان السيد المدير يركب رأسه إصرارا ويتأوه إلحاحا مرددا لازم تذهب لإنجاز المهمة وإلا فأنت (في نظرة طبعا ) مقصر ومتخاذل ومتكاسل وتنطبق عليك جميع المفردات التي وردت في قاموس “المتسيب من كل فن متهيب” ، على كل حال تضطر للخضوع عند رأيه المستبد وفي خاطرك أمنية قرع رأسه العنيد بكم لكمة من حديد عسى أن يستنير ويشوف غيرك لمشوار الورطة الجديد !، وأتذكر من خلال كتيب مفكراتي القديم الذي أدون فيه ملخصات عن مشاوير المنغصات ربما أستفيد من تجربتها في سفرات الورطة القادمات ، وبينما كنت أقلبه مؤخرا ورد أمامي مجموعة سفريات قمت بها في أزمان متفرقة حوت بعضها تجارب طريفة رأيت أن تشاطروني كقراء بهذه المعلومات عبر كم حلقة فلعلها تنفعكم ولو من باب العلم بالشيء ولا الجهل به وأن لم تحقق لكم ذلك ففيها حوادث طريفة ولن يضركم قراءتها وأرجو لكم الاستمتاع بها.

o       في أوائل عقد الثمانينات الميلادية وبينما التركيز منصب على أكمال جميع المقومات والبنى الأساسية لمدينتي ينبع والجبيل وكان فريق المهندسين اليابانيين جاهدون في متابعة إنجاز أحد المشاريع الحيوية في ينبع لأجل تسليمه قبل الموعد وتأكيد الثقة في التعامل معهم من أجل مشاريع جديدة أخرى حصل ما يمكن أن يعرقل صفو العلاقة الرسمية إذ أصدمت سيارة مدير المشاريع بسيارة أحد المسئولين الكبار المشرفين على المشروع نفسه مما تسبب في تلف كبير للسيارتين ودخول كلا المسئولين في المستشفى للفحوصات والعلاج وبينما كان المسئول الياباني لوحدة في السيارة فقد كان المسئول الكبير الآخر يرافق أبنته التي تعرضت لكدمات وجروح نتيجة الحادث، وإذ لم يتضح من المتسبب في الحادث بعد لأن كلاهما قادم من طريق فرعي ويفترض به التوقف للتأكد من خلو الطريق وأيضا القيادة ضمن سرعة محددة إلا أن الحرج الكبير الذي سببه هذا الحادث أستدعى إرسال مسئول كبير عالي المستوي ( ياباني أصلي) من طوكيو وعلى وجه السرعة إلى ينبع لمباشرة الموضوع وتقديم الاعتذار عن ما حصل وتعويض أي أضرار ، وإذ توقف هذا المسئول بمطار الظهران قادما من اليابان فقد كان لابد من مرافقته إلى ينبع عبر مطار جدة لتسهيل رحلته وترتيب مقابلته للمسئولين في ينبع والعمل معه كدليل سياحي وخبير مناخي ومترجم محلي ، ومشرف علاقات ومندوب تشريفات  الخ، ونظرا لتنوع المهارات التي أوصم بها خلاف أني مطيع في حالي ويرافق الطول بالي ، لذا وقع علي الاختيار من بد زملائي الكبار وكافأني المدير بأن أذهب مرافقا مع ضيفنا الكبير والقادم على جناح الأثير وأن أركب معه الطائرة بنفس مستوى درجة الإركاب وأن أجلس بجانبه حيثما حل أو غاب.

وكالعادة لم يكن لي الخيار سوى أن أجهز نفسي للسفر خلال لحظات وما هي إلا سويعة والسائق ينادي بأسمى أن أركب وتوجهت معه لا أعرف من سأقابل وبأي حال يجب أظهر أو أجامل ،وعند المطار بدا لي في القاعة يابانيا ولكنه (غير شكل) قصير القامة ويلبس نظارة إطارها سميك وجاكيت سبورت مع جزمه رياضة ، حياني بالإنجليزية المكسرة ، فقلت لنفسي كملت أنا لا أعرف الياباني والأخ يا دوب إنجليزي خفيف فما العمل في هذه الورطة مع الضيف؟، استعنت بالله وسحبت شنطة سراويلي متجها للكاونتر برفقتي شيبوب الياباني بينما أبدو بحجمي كعنتر، ودخلنا الدرجة الأولى “طبعا هذه المرة بالأمر الإداري لا بالرغبة والمحبة ” وطارت الطيارة والأخ ما بطل سيجارة ورآها سيجارة ويسألني في الدقيقة الواحدة مجموعة أسأله تقريبا عن كل شيء ، صحيح الكمبيوتر لم يكن مشهورا حينها ولكن الظاهر أن رأس صاحبنا كان هو النسخة التجريبية للكمبيوتر الياباني قبل ما نعرفه بشكله الحاضر ، لم يكن يترك فرصة أو لحظة إلا وهو أما يسأل أو يسمع أو يقرأ أو يرسم يعني الوقت لدية شيء أغلى بكثير من الذهب وبينما نحن نتمدد لنستريح خلص الأخ يمكن كتابين قرأهم في مهب الريح خلال هذا الوقت القليل ، وما صدقت أن وصلنا جده لأبتعد عن مارد المعرفة هذا الياباني المطور، وقررنا المبيت في أحد فنادق العروس الفخمة مقابل تجهيز رحلة سفر بالسيارة إلى ينبع في صباح الغد الباكر ، وافتكرت أنها فرصتي لأتمشى فيها بأسواق العروس المسائية ما بين باب شريف والبغدادية ولم أكن أعلم بأن المارد القزم يستعد للانقضاض على بابي ليطرقه بدون حياء مناديا بصوت رخيم “مستر سادك لص غو” وأنا أقول سويتني لص وغول بعد! ، وتأكدت في هذه اللحظة يقينا من مقولة المثل “بعض الناس لزقة”  يعني هذا الياباني ما يرحم ولا عاوز عليك يترحم أنا صحيح قبلت مجبرا أكون مرافق بس شكلي صرت بودي غارد خلاف الخمسة مسئوليات الأخرى التي أوكلت لي!! ، المهم أن صاحبنا لففني في جده وفي ليلة واحده شفت اللي ماشفته برحلات عام متقطعة ، وحتى العشاء ماقبل يأكل بمطعم حتى لا يضيع الوقت يعني كل هذا التعب وبالآخر نأخذ سندوتش خفيف على الماشي!.

وأصبح الصباح وكان السائق الأرتيري والسيارة الأمريكي مع المرافق السعودي بخدمة الرجل الترانزستور الياباني العجيب ، وأستأنف معي التحقيق طول ما قطعناه من طريق وحتى يوم وقف السائق يعبئ خزان السيارة أحصى الضيف لمبات المحطة الكثيرة وأبدى استغرابه للإسراف المفرط في استهلاك الطاقة قائلا يعني ليش عندكم بترول زايد لازم تضيعون الطاقة وايد؟ وحسب لي كم لمبة تستعمل في اليابان لإضاءة محطة بهذا الحجم وكم كنت خجلا من هول الفرق بيننا، المهم وصلنا ينبع وتكشفت لي حقائق عجيبة غريبة في كيفية معالجتهم لحل المشكلات الحساسة والمحافظة على العلاقة المهنية في أحسن حال وأهمها الثقة التي لا يجب أن تهتز أبدا ، وكان الفريق الياباني يقدس العمل والمسئولين فيه بشكل غريب حتى أنهم كانوا ينحنون كالركع أمام هذا الضيف وأنا مبسوط سائرا بجانبه معتقدا أنهم يقصدونني ، وفي الختام انتهت المهمة بسلام وزاد الود والوئام وكانت العلاقة كأفضل ما يجب أن تكون قبل الحادث الملعون ولكني عدت لوحدي راجعا وعلى الدرجة السياحية ممتطيا لأن الضيف العجيب سافر مباشرا إلى اليابان وكل ما تركه لي عبارة صورة جمعتنا في الطريق كتب عليها أسمة وتحتها بخط رقيق “أوهايو جوزايموس” يعني مع السلامة ياصديق!.

اترك رداً