حواريّة الإيمان والإلحاد، في تفسير ظاهرة البذل والعطاء «الحلقة الثّالثة -والأخيرة-»

img

في الحلقة السّابقة: نقض الإلحاد على الإيمان بدليل الوجدان على أنّ فناء الأشياء لا يُسقط قيمتها لدى العقل، واستشهد بسلوك النّاس في تعاطيهم مع ممتلكاتهم التي يعتقدون بفنائها.

•الإيمان: هذا ليس لعدم حكم العقل، بل لغياب دوره في حياة النّاس، وهو ما نُسميه بـ”طول الأمل”.

•الإلحاد: لا تُسقط عليّ مفاهيمك الدّينيّة.

•الإيمان: هذا المفهوم وإن كان الدّين تعرّض له بكثافة، لكن هو حقيقة يُدركها العقل خارج نطاق الوحي.

•الإلحاد: كيف؟!

•الإيمان: كثيراً ما يواجه الإنسان قضايا يؤمن بها عقلاً، لكنّ يُكذّبها قلباً، فالكثير من النّاس يعلمون بأنّ الموت حقّ لا مفرّ منه، لكن عندما يُفجأ أحدهم بداء لا دواء له، ويكون على مشارف الموت، ينزل عليه الخبر كالصّاعقة، وما ذلك إلا لأنّه لم يكن يُصدّق أنّ ذلك سيحدث له فعلاً، مع أنّه كان يعلم مسبقاً أنّ لابد له وأن يموت يوماً، وهو ما يعني أنّ العقل يعلم، إلا أنّه -وبسبب عوامل مختلفة- لم يصل إلى التصديق القلبي، وهذا هو طول الأمل. الآن يمكن أن تسأل هذا الشّخص -الذي يقف على حافة الحياة- عن قيمة الأشياء التي من حوله، والتي كان يتشبّث بها، هل سيأسف على ضياع ماله حينها؟!

•الإلحاد: ذلك لأنّ هذا الشّخص يكون في حالة مرضيّة نفسيّاً، وفي وضع غير طبيعي.

•الإيمان: بل نحن المرضى نفسيّاً، وهو قد أفاق من غفلته، ورأى الأمور بواقعيتها، وكون نحن الحالة السّائدة في حياة النّاس، لا يعني أنّنا الأصحّاء، بل هو كالوباء الذي تفشّى بين النّاس، فهل الأقليّة التي لم تُصاب، تكون هي المريضة فقط لأنّها تختلف عن الغالبيّة؟!

كما أنّ هؤلاء الذين شارفوا على الموت، يُصادف أنّ البعض يكتشف وجود خطأ طبيّ، ويعود لممارسة حياته الطبيعيّة، لكن نظرته للحياة تبدّلت، وأصبح يُقيّم الأشياء من حوله بمقدارها الطبيعي، وعندما توجّه له السّؤال، يُجيبك: بأنّه لا شيء يستحق.

أعود وأقول: ذلك أنّ الإنسان بطبعه يُشغله شيء عن شيء، وطبيعة عالم الدّنيا عالم تزاحم، فإذا تعلّق قلب الإنسان بها، انشغل عن المصير المحتوم ألا وهو الموت، ويتولّد معه طول الأمل، وعدم الشّعور بانعدام القيمة ليس نقضاً للقضيّة العقليّة، وإنما لغياب دور أحكام العقل في حياة الإنسان بسبب ذلك العامل.. وبهذا يتأكّد مفهوم “انعدام القيمة” على وفق الرّؤية الماديّة.

•الإلحاد: ولكنّنا نفعل الخير، ونشعر بالرّضا في ذلك.

•الإيمان: أنا تحدثتُ عن حكم العقل نظريّاً، وهو لا يعني أنّكم لا تفعلون الخير عمليّاً، وهو مؤشّر إلى أنّ بعض المُلحدين لا يزال يُمسك بطرف الحبل الذي يقوده نحو الإيمان، لكنّه لم يُكمل الطريق، وقد أشرتُ إلى هذا المعنى سابقاً.

•الإلحاد: وكيف ذلك؟!

•الإيمان: أعني أن وجود تلك المشاعر الطيّبة مؤشّر على سلامة هذا الجزء من الفطرة، فبالاضافة إلى ما ذكرتُه سالفاً في النّزعة الفطريّة لحبّ الكمال والتي تُناغي بها مصدرها: فإنّ هذه الفطرة تأتي ضمن التناغم الكوني، بين كلّ عناصر الكون التي يُدركها الإنسان، سواء انعطفتَ نحو الدّاخل لاستكشاف الذّات والآيات الأنفسيّة، أو انطلقتَ إلى الخارج لاستكشاف الفضاء العام والآيات الآفاقيّة، كلّه يُشكّل نسيجاً واحداً يُعزّز الإيمان عند تتبّع خيوطه بموضوعيّة، وهو ما يقودك إلى إدراك أنّك متناغم بنحو تام مع الطبيعة من حولك، وهو ما يأخذ بيدك نحو دليل النّظم الكاشف عن وجود الخالق ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾.

•الإلحاد: حسناً.. دعني أتناول القضيّة من جهة أخرى: أنا كمُلحد أجد فعل الخير منّي، أكثر صدقاً منك كمتديّن.

•الإيمان: وكيف يكون ذلك؟

•الإلحاد: أنت تنطلق في حركتك نحو فعل الخير، إمّا بدافع الخوف والنّجاة من جهنّم التي تؤمن بها، أو بدافع الطمع بالجنّة. وأنا عندما أفعل الخير لا أرجو كلّ ذلك، وهو ما يعني أنّني أشدّ صدقاً في مشاعري نحو الآخرين.

•الإيمان: عفواً.. لا زلتَ تغفل عن لوازم رؤيتك الإلحاديّة.

•الإلحاد: وعن ماذا غفلتُ؟!

•الإيمان: عقلك يوجّه لك السّؤال السّابق، ما قيمة هذه المشاعر نحو الآخرين؟! نحن كلّنا فناء وإلى عدم!، ثمّ ما هو الميزان الذي يجعلك تفتخر بهذه المشاعر؟

•الإلحاد: الإنسانيّة.

•الإيمان: العقل شرف الإنسانيّة، وهو يقول لك نفسي أولى من غيري، ولا يوجد سبب منطقي -على وفق رؤيتي الماديّة- يجعلني أُرجّح مصلحة غيري عليها، هكذا أكون قد أسأت لنفسي بقصد الإحسان للغير.

•الإلحاد: مراعاة المصلحة العامة.

•الإيمان: يقول لك العقل: بهذه الرّؤية المبتورة لا يمكن أن أُراعي المصلحة العامة إلا بمقدار ما تعود عليّ بالنّفع على الصّعيد الشّخصي.

ثم دعني من حكم العقل، ألستَ راضياً عن نفسك عند فعل الخير؟

•الإلحاد: بالتأكيد..

•الإيمان: إذاً أنت تبحث بالدّرجة الأولى عن الرّاحة النّفسيّة التي تحصل من الرّضا عن الذّات، أمّا أنا أبحث عن رضا الله خالق كلّ شيء، وهو أولى من إرضاء الآخرين، حتى من إرضاء نفسي، وبهذا أُناجيه في خلوتي معه تعالى: “وَلَوْ أَنَّ عَذَابِي مِمَّا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ لَسَأَلْتُكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ لَكَ”¹.

– إنتهى.
——–
1- الصّحيفة السّجاديّة: وكان من دعائه [ع] في الرّهبة.

اترك رداً