الصوم شعلة تنير القلب

img
زاهر العبدالله
0 الوسوم:, ,

روي عن علي عليه السلام: (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء حبذا نوم الأكياس وإفطارهم).

س/ هل الصوم هو صوم عن الأكل والشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فقط أم له مفهوم أعمق من ذلك؟

مقدمة
في هذه الأجواء الطاهرة نكون بين يدي المنعم المطلق، وبين من أظلنا بشآبيب رحمته، وبين من دعانا لمائدته نقل أدبنا في التعاطي مع هذا الشهر الشريف ومكانته، ونقتصر على الامتناع من الأكل والشرب، الذي هو جزء من منظومة قائمتها الورع عن محارم الله والسعي في مرضاته وتلاوة كتابه المنزل وفعل الخيرات وترك المنكرات وإعمار المساجد والتفقه في الدين وإصلاح ذات البين، وإقراء الضيف وكل معاني الصفاء الروحي والإنساني، ولكن نجد للأسف الشديد أننا ظلمنا أنفسنا في هذه النعمة الكبرى، حتى في نهار رمضان لم نقم بما ينبغي له من تمام الاحترام للمنعم سبحانه وتعالى، ولذا سيكون نقاشنا في نقاط ثلاث، وهي:

مختصر مفهوم الصيام الحقيقي.
معوقات تسامي الروح للتعاطي مع هذا الشهر الشريف.
محاسبة وجدانية لأنفسنا مع المنعم سبحانه.

(مختصر مفهوم الصيام الحقيقي)
ذكرت لنا الزهراء عليها السلام -أرواحنا فداها- الغاية من الصيام بقولها: (والصيام تثبيتاً للإخلاص). هنا نقف وقفة تأمل بين ما قال أمير المؤمنين في الحديث الذي صدّرنا، وبين ما قالته سيدة نساء العالمين، فنجد هناك حلقة تحتاج لمعرفة مفهوم الصيام الحقيقي، وكل منا بوجدانه يعرف بأن الله سبحانه جعل لنا محطات نقف عندها كي نتزود من رحمته البالغة علينا، ومنها الصيام الذي لا يمكن أن يقف عند حدود الامتناع عن الأكل والشرب، بل هو أرقى بكثير من هذا الحد. فمفهوم الصيام أعمق من الجوع والظمأ، فهو صوم الجوارح من كل شائبة تلوث الروح، بحيث تصوم أنفسنا عن الغيبة وعن النميمة والكذب والفتنة والكلام الفاحش والنظرة الحرام واستماع الحرام وعن الكلام الجارح لإخواننا المؤمنين، والبهتان ومعاونة الظالم والمجاملة الكاذبة والنفاق الظاهر وقلة الأدب مع أهلنا ولا سيما أمهاتنا وآباءنا وإخواننا، وكذلك نرفع أنفسنا بأرقى معاني الخلق السامي وحب الخير وحب العطاء والمداومة بذكر الله والمشاركة في المآتم الحسينية والصلح بين المؤمنين، وتكون ألسنتنا صادقة رحيمة محبة لإخواننا وأهلنا المؤمنين وإطعام الصائم وشكر النعم. وكل ما ينمي روح الإيمان والتقوى في قلوبنا، ولا يقف ما قلناه في النهار فقط، بل يمتد إلى الليل، لأننا ضيوف عند صاحب الرحمة عند صاحب الشفقة عند الرؤوف الرحيم، ولذا لابد أن نكون مؤدبين بآداب أهل البيت في هذا الشهر الشريف، ونأخذ معالم أدبنا من بابهم، وهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة والباب الذي منه يؤتى صلوات الله عليهم أجمعين. وأهم ما هو محبب في هذا الشهر الشريف أمران، وكل ما ذكرنا مهم، لكننا نخصص أمرين وهما: قضاء حوائج المؤمنين والورع عن محارم الله.

ولعل بعضاً يقول كل هذا مثاليات لا يقوم بها إلا من له حظ عظيم. أقول لكم يا أحبتي هذه من وساوس الشيطان، فكلنا نستطيع بعون الله أن نكون إذا اتبعنا قول أمير المؤمنين عليه السلام: (عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم) . وأخذنا المدد والعون من صاحب الرحمة والقدرة.
معوقات تسامي الروح للتعاطي مع هذا الشهر الشريف
– عدم معرفتنا الواضحة لفلسفة الصوم.
– عدم تربية أبنائنا على معرفة أهمية الصيام في تربية الروح.
– كثرة الانشغال بما لا ينفع الروح وينميها مثل كرة القدم والمسلسلات والبرامج غير الهادفة وغيرها من الألعاب مع ملاحظة للقارئ العزيز أعيدها مرة أخرى (كثرة الانشغال).
– الذنوب التي تلوث الروح مثل: الغيبة والبهتان والكذب والنميمة والحسد والغش والتكبر والنظرة الحرام وغيرها من الذنوب.
– تزاحم المهم والأهم أي بين الواجب والمستحب مثال ذلك الجلوس على السجادة للدعاء مع إهمال الأولاد والزوجة أو السهر لصلاة الليل، ثم ترك الصلاة الواجبة في الصباح أو صلاة الفجر مع تأخير في صلاة الظهر إلى الساعة الرابعة عصرا، أو الانشغال في الأنشطة الاجتماعية بشكل مفرط وترك البيت والأهل وغيرها.
– ترك مجالس الذكر والتفقه في الدين من المساجد والحسينيات.
محاسبة وجدانية لأنفسنا مع المنعم سبحانه
نأخذ من دعاء الافتتاح هذه المحاسبة التي يكاد المرء منا إذا تأمل كلماتها تخرج روحه من جسده حياءً بين يدي المنعم سبحانه وتعالى حينما يقول الدعاء: (فلم أر مولًا كريما اصبر على عبد لئيم منك علي يا رب). فأول نعمه سبحانه الصبر على معاصي وذنوب العبد وجهله وبعده عن الله سبحانه. ثم يكمل الدعاء:(إنك تدعوني فأولي عنك). دعانا لمائدته، ووفقنا لشهر طاعته فهل شكرنا هذه النعمة بالتوجه إليه بالتزام أوامره ونجتنب ونواهيه؟! ثم يقول الدعاء:(وتتحبب إلي فأتبغض إليك). أي حمق وأي وقاحة منا أمام خالقنا يتحبب إلينا نحن العصاة بنعمه التي لا تحصى علينا فنقابل ذلك بالإساءة؛ فيا عجبا من عبد تجرأ على مولاه. ثم يتابع الدعاء: (وتتودد إلي فلا أقبل منك كأن لي التطول عليك فلم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إلي والتفضل علي وجودك وكرمك فارحم عبدك الجاهل وجد عليه بفضل إحسانك انك جواد كريم).

اترك رداً