ملخص الليلة الخامسة من محاضرات الشيخ (عبدالجليل البن سعد)

img
محمد الجابر
0 الوسوم:, ,

محمد الجابر

عنوان المحاضرة: كيف يطوي الله السنن التي تحكم التاريخ

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال:
“لولا آية في كتاب الله، لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة”

(مقدمة)

هل يطوي الله السنن التاريخية التي تؤثر في مسيرة التاريخ تأثيراً طبيعياً؟ وان فكيف؟

(مدخل توضيحي)

المدخل سيكون العقيدة والمقولة التي تميز بها مذهب الإمامية (الشيعة) وهي “الأمر بين أمرين”.
على اعتبار ان طائفة من المسلمين اعتقدت ان الإنسان (صانع التاريخ) خلق مسير في كل الأحول، وطائفة اعتقدت ان الإنسان خلق مفوض.
وبين هذين الطائفتين صدح صوت الإمامية وقال “لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين”.

((لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين))

هذه المقولة والعقيدة العظيمة هناك من اعترف على مر العصور و أول من اعتنق هذه العقيدة (الفيلسوف الفارابي) وآخر من ردها كأمانة على الإمام جعفر ابن محمد -عليه السلام- واعترف لها الإمام هو (الشيخ محمد عبده) في رسالته “التوحيد”.
فهذه العقيدة والمقولة خلاصة لعلم (الكلام) وخلاصة (العقيدة الحق) بكل تفاصيلها (التوحيد – العدل – النبوة – الإمامة).

(عقيدة المقولة والسنن التاريخية)

ان كل علة تحتوي على استعداد يمثل ضعف علة من جهة وقوة علة من جهة أخرى.
مثال/
الشمس فهي علة للحرارة ففي بعض المناطق عند ارتفاع الحرارة فالمبردات لا تفيد معها فعلة الحرارة أقوى من علة البرودة. فهي علة ثابتة ولكن قوتها غير ثابتة لأننا نجد الشمس في (الاسكيمو) مثلاً أضعف من علة البرودة.
فالله -عز وجل- كأنما يريد ان يوضح لنا على لسان الأولياء أن (امر بين أمرين) تعني (علة بين علتين).

(تفاوق العلل)

تفاوق العلل – مصطلح للشيخ تجنباً للتعبير الفلسفي والذي يدرس خصائص العلة وإعطاء تعبير مناسب للطرح العصري، وهو لا يدعي دقة وتمامية هذا المصطلح – وهي ان العلل يفوق بعضها البعض.

[[فهرس البحث]]

– العلاقة التعليمية
– الإستجابة الخلاقة
– الأخذ الإلهي المفاجىء
– جهد القانون التاريخي و جهد الولاية

(العلة التعليمية)

هي العلة التي تعني حركت وتطور الحياة ويتطلب اكتسابها بعلم وتعلم. فالتعليم سنة تاريخية كبرى لأنه ينخرط بها سنن تاريخية صغرى.

مثال/ العلاقة بين الشعوب والمجتمعات
فالتعليم صنع انفتاح على مستوى العلاقات الدولية. نجد الدولة ترسل أبناءها لتدرس بالخارج وهذا يتم على أساس اتفاقيات تمت بين دولتين. فنتج علاقة بين مجتمعين (دولتين) وهذه العلاقة سنة صغرى جاءت من السنة الكبرى الا وهي التعليم.

فأينما وجد العلم وجد التطور لذلك يجب تعلم السنن التاريخية المذكورة بالقرآن. ولا مانع حتى من تعلم ما تحدث به فلاسفة التاريخ في الجوانب الصائبة فقط.
يقول (رشيد رضا) علموا أولاد المسلمين سنن الحياة من خلال مقرر يحويها ليكتسبوا فهم السنن ومعادلتها.
وهنا نجد تفاوق بين الشعوب والمجتمعات لان سنة التعليم والتعلم صعبة ومكلفة لذلك صار ينجح فيها شعب ويخفق شعب آخر.

(القرآن والعلم)

إذا كانت القوة مكلفة للمجتمع علمهم كيف يستقلون ضعف العلة بتسليط علة أقوى منها. فالقرآن تطرق لها وأوضحها، العلم له متطلبات واذا انتظرتها لن تكتسب خبرة ويمكن ان يفوت الغرض ولم تصل الى العلم المنشود. ولذلك نجد بأن هناك علة أقوى من التعلم وهي (الإيحاء). والإيحاء هو العلم بالتلقي لا العلم بالتعلم.

(الإيحاء في القرآن)

قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (7) سورة القصص
فهنا نلاحظ مع عدم كفاية الوقت للتعلم أوحى الله -عز وجل- لأم موسى {أَنْ أَرْضِعِيهِ} ولو ساوركِ الخوف على موسى {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ} وأمرها بأن لا تخاف {وَلَا تَخَافِي} لان إصابة نبي الله موسى وقتله يعني قتل مشروع من مشاريع التاريخ (النبوة) فجاءت علة أقوى من علة التعلم لحفظ هذه السنة التاريخية -النبوة- الا وهي الإيحاء.

قال تعالى {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} (68) سورة النحل
فلن يستطيع الإنسان بناء مجتمع منتظم كانتظام مجتمع النحل بالتعلم. بل ولا النحل نفسه يستطيع بناء هذا المجتمع المنتظم بالتعلم.

(الإستجابة الخلاقة)

هي إجتماع الأمة على القبول بالعرض الإلهي. فهنا كأنما الله -عز وجل- يقول لا تستسلموا للعلة الكونية والعلة التاريخية التي لا تستطيعون الوصول لها ولن تجدونها الا عندي. فهنا يحتاج توجه لله -عز وجل- في مثل هذه العلل لان الإنسان لن يستطيع بأقوى قوة يمتلكها الحصول على علة واحده منها. ويشترط الإقبال على الله من مجتمع او الأغلب على الأقل من خلال السنة التاريخية والتي ستفتح لهم العلة الكونية والتاريخية التي لا يقوون عليها.

{{أمثلة قرآنية}}

قال تعالى {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)} سورة نوح
هنا طلب جماعي وليس فردي {اسْتَغْفِرُوا} فهذا هو الإجتماع على القبول بالعرض الإلهي. فلو تم القبول بشكل جماعي او أغلبية يأتي العرض الرباني {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)}.

قال تعالى {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)} سورة إبراهيم
فهنا قاعدة واضحة وثابتة مع الشكر الزيادة في الخيرات والمكاسب ويقابلها الكفر بالنعمة الخسران بالعذاب الشديد.

قال تعالى {وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)} سورة البقرة
فهنا عرض إلهي بالتعليم {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} فسهل الله-عز وجل- الصعوبة في التعلم ولكن اشترط شرطاً لجمع {وَاتَّقُوا اللَّهَ} فالتقوى لو جاءت من جمع كانت مفتاحاً للعرض الرباني (التعلم).

وهذا الجمع الروحي المطلوب لتحقيق العرض الإلهي شي ممكن ونستطيع ان نأتي به، كما في الحج والصوم وصلاة الاستسقاء وغيرها.

(الأخذ الإلهي المفاجىء)

هي أحداث غيرت وجه التاريخ، كما عبر عنها فلاسفة التاريخ.

(وقفة مع السيد محمد الشيرازي)

يقول من الأحداث التي غيرت التاريخ ضربة ابن ملجم لأمير المؤمنين علي -عليه السلام- فلولا هذه الضربة لكان تاريخ علي -عليه السلام- ممتد خلال عصور ولا كان هناك أموية.

ويقول في مثال آخر يوجد هناك دول (فاطمية – العباسية – الأموية …) كل هذه الدول حدثت بحدث واحد وهو خروج الحسين -عليه السلام- من المدينة.

(مثال للشيخ عبدالجليل)

الدولة الحديثة في أوروبا متى ظهرت وعرفت الا بعد حدث واحد أبادهم وهو الوباء. فهذا الحدث صنع تاريخ وتطور عندهم ولكن جاء كورونا وغير مسارات التاريخ عنده. حتى ان كبار السياسيين أعادوا الى ذهنهم ماحدث للدولة القديمة والإبادة، ورفعوا شعار (ما بعد كورونا يختلف عما قبل كورونا).

(جهد القانون التاريخي وجهد الولاية)

الله -عز وجل- يقول ان الإنسان بين أمرين. إما القانون الذي يصنعه الإنسان نفسه حتى يسير ويقدم تاريخ ويطوره، ام لا يختار الباب الذي يفتحه الله -عز وجل- والعلة القاهرة والأقوى.

(فلاسفة التاريخ)

الفلاسفة يقولون بأن الدولة العظمى ما تتم الا بالفوضى الخلاقة.

يقول كارل بوبر مؤلف كتاب (عقم المذهب التاريخي) ص ٨٣ إذا اردت ان تصنع دولة فأمامك ثلاث طرق:-
أ- إذا أردت ان تصلح سياسياً فاعتمد الإثارة القوية (المعارضة القوية).
ب- إحداث الثورة ولكن بشرط إذا بان الضعف في الدولة المستبدة.
ت- ان يمكن إنسان (عالم – واعي – فاهم…) من السلطة ولكن هذي مشكلة لايوجد إنسان الا ويتحرك غروره مع زيادة الصلاحيات.

نجد هنا إشارة جميلة إلى موضوعية الولاية لأنه لا يوجد إنسان غير المعصوم يتمكن من جمع الصلاحيات كلها ولا يتحرك غروره شعره.

(القرآن والولاية)

تطرق القرآن في سورة كاملة (سورة الكهف) للولاية التي تصنع تاريخ أفضل مما يصنعه القانون الطبيعي والسنن الطبيعية.

ابتدت السورة بذكر الفتية (اصحاب الكهف) والذين كانوا تحت أسر سنة تاريخية (الخوف) فأرادوا سنة تاريخية أقوى منها فطلبوا الرحمة وتهيئ الامر من الله -عز وجل- فاستجاب لهم. ومن ثم حكم الخضر حكم مطلق في يوم تقريباً مع نبي الله موسى. فحكم بأشياء (خرق السفينة – قتل..) نبي الله موسى نفسه لم يتحملها فحس الفضول عنده كان أقوى. فهل يستطيع الإنسان تحمل هذا الحكم المطلق ويقتل الفضول عنده.
وختمت السورة بذو القرنين وهو حكم ولائي مطلق ولكن مع جيش وأمة تسلم له بذلك الحكم المطلق ولا تعارضه. ولذلك استطاع ذو القرنين بأن يعفيهم من سنن تاريخية خانقه. فلو تواجهوا مع يأجوج ومأجوج وعملوا بالسنة التاريخية (القتال) لكانوا في عداد الأموات ولكن باجتماعهم وإيمانهم قالوا لذو القرنين ابني لنا سداً وهنا التفتوا وطلبوا السنة الأقوى.

(رحمة الحسين)

خرج الحسين -عليه السلام- وطلب من القوم ان يأتون معه وقال لهم الرحمة المنشودة متجسدة في خروجنا واجتماعنا للحصول على عرض إلهي ولاكنهم رفضوا. فبخروج الحسين -عليه السلام- وقتله تغيرت سنن تاريخية ومنها رفع شعار اهل البيت في دول وهذا فتح باب لذكرهم.

اترك رداً