الحسد يُقسم المجتمع

img
أقلام 0 بشائر الوسوم:, ,

عدنان أحمد الحاجي

أظهرت دراسة نظرية اللعبة أن الحسد المقترن بالمنافسة يُقسّم المجتمع إلى طبقتين عليا ودنيا

 هل يمكن أن تظهر الاختلافات الطبقية بسبب ذاتي داخلي، أي غير متعلق بالولادة والتعليم؟ تابع البروفسور كلوديوس غروس Claudius Gros من معهد الفيزياء النظرية بجامعة جوته Goethe هذه المسألة في دراسة نظرية اللعبة. استطاع كلوديوس على إثبات أن الحاجةالإنسانية الأساسية لمقارنة الذات (النفس) بالآخرين قد تكون السبب الجذري لتشكيل الطبقات الاجتماعية.

 من المسلم به عمومًا أن الاختلافات في الخلفية والتعليم تعزز الاختلافات الطبقية. من غير الواضح متى وتحت أي ظرف يمكن للقوى النفسيةالفردية أن تدفع  بمجموعة اجتماعية متجانسة على الإنفصال في البداية وتقسمها في النهاية. قام كلوديوس غروس، برفسور الفيزياء النظريةفي جامعة جوته، بالتحقيق في هذه  المسألة بطريقة رياضية دقيقة باستخدام أساليب نظرية اللعبة.

في هذه الدراسة، تمت محاكاة أفراد فاعلينsocieties of agentsضمن نظرية اللعبة هذه، مما يعني أن كل فرد يحسّن من نجاحه إلىالحد الأمثل وفقًا لقواعد محددة مسبقًا.

أردت أن أعرف ما إذا كانت الاختلافات الاجتماعية يمكن أن تظهر من تلقاء نفسها إذا لم يبدأ أحد الأفراد بالإستفادة  من مزايا [يمتلكهامن السابق]  –أي عندما يكون لدى جميع الفاعلين نفس المهارات والفرص، كما بيّن  كلوديوس.

 الدراسة استندت إلى فرضية أن هناك أشياء في كل مجتمع مطلوبة ولكنها محدودة كالوظائف، والتواصل الاجتماعي، والمناصب القيادية. وبذلك تنشأ حالة عدم المساواة لو كان المنصب الأعلى مشغولاً بالفعل فعلى المرء أن يقبل ثاني أفضل وظيفة متاحة ولكن لا  يقبل التقسيمالمجتمعي.

بمساعدة الحسابات الرياضية،  تمكن غروس من إثبات أن الحسد، الذي ينبثق  من الحاجة إلى مقارنة الذات (النفس) بالآخرين، يغيرالسلوك الفردي وبالتالي يغير استراتيجيات الأفراد الفاعلين بطرق مميزة، ونتيجة لهذا السلوك المتغير، ظهرت طبقتان اجتماعيتان منفصلتانتمامًا.

 توفر نظرية اللعبة الأدوات الرياضية اللازمة لنمذجة حالات اتخاذ القرار مع العديد من المشاركين، كما هو الحال في الدراسة التي أجراهاغروس.

بشكل عام، المجموعات التي تؤثر فيها استراتيجيات اتخاذ القرار الفردية لدى الجهات الفاعلة على بعضها البعض تتكشف بشكل خاص.

لا يعتمد نجاح الفرد إذن على أفعاله فحسب ، بل على أفعال الآخرين أيضًا ، وهو أمر  مطابق لكل من السياقات الاقتصادية والاجتماعية.

وبالتالي فإن نظرية اللعبة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد. شرط ثبات نظرية اللعبة، يسمى بـتوازن ناش(معلومات عنه في 2)، هو مفهومطوره جون فوربس ناش John Forbes Nash في رسالته لدرجة الدكتوراه في عام 1950، مستخدمًا مثال لاعبي البوكر (معلومات عن هذهاللعبة في).

ينص توازن ناش على أنه في حالة التوازن، لا يكسب أي لاعب أي شيء بتغيير استراتيجيته إذا لم يغير اللاعبون الآخرون استراتجياتهمأيضًا، فالشخص لا يجرب أنماطًا سلوكية جديدة إلاّ إذا كان هناك مكسب محتمل.

وبما أن هذه السلسلة السببية تنطبق أيضًا على العمليات التطورية (الإرتقائية)، فإن العلوم التطورية والسلوكية تتكيء بانتظام على نماذجنظرية اللعبة، على سبيل المثال، عندما تُجرى أبحاث  في  سلوكيات الحيوانات كمسارات الطيران التي تتخذها الطيور المهاجرة أو فيتنافسها على أماكن بناء أعشاشها.

 حتى في المجتمع الطبقي الناجم عن الحسد لا يوجد حافز للفرد لتغيير استراتيجيته، وفقًا لغروس، لذلك فهو مستقر طبقًا لناش.

في مجتمع الحسد المنقسم، هناك فرق ملحوظ في الدخل بين الطبقة العليا والدنيا وهو نفس الفرق لجميع أفراد كل طبقة اجتماعية، ومنالمعتاد بالنسبة لأفراد الطبقة الدنيا وفقًا لغروس، أنهم يقضون وقتهم في سلسلة من الأنشطة المختلفة، وهو أمر تسميه نظرية اللعبةاستراتيجية مختلطة” mixed strategy.

ومع ذلك، يركز أفراد الطبقة العليا على مهمة واحدة، أي أنهم يتبعوناستراتيجية محددة” pure strategy.

ومن اللافت للنظر أيضًا أن الطبقة العليا يمكنها الاختيار من بين خيارات متنوعة بينما لا تتمتع الطبقة الدنيا إلا بإمكانية الوصول إلىاستراتيجية مختلطة واحدة. يلخص الفيزيائي ناش القول:إن الطبقة العليا هي لذلك السبب  أنانية، بينما الأفراد الفاعلين في الطبقة الدنيايضيعون في الزحمة، إذا جاز التعبير“.

 

في نموذج كلوديوس غروس، ما إذا كان الفرد الفاعل  يحل في الطبقة العليا أو الدنيا هو في النهاية مسألة مصادفة، وتُقرر  من خلالديناميات التنافس وليس من خلال  أصل التنافس.

ولأجل القيام بدراسته، طور غروس نموذجًا نظريًا جديدًا للعبة، وهونموذج إشكاليةالاختيار shopping trouble modelوعمل على حلتحليلي دقيق، ومنه استنتج أن المجتمع الطبقي الناجم عن الحسد يمتلك خصائص تعتبر شاملة في نظرية الأنظمة المعقدة .

 

والنتيجة هي أن المجتمع الطبقي خارج عن السيطرة السياسية إلى حد ما. فـ صانعو القرار السياسي يفقدون جزءًا من خياراتهم من أجلالسيطرة عندما ينقسم المجتمع تلقائيًا إلى طبقات اجتماعية.

بالإضافة إلى ذلك، يوضح نموذج غروس أن الحسد له تأثير أقوى عندما تكون المنافسة على الموارد المحدودة. “الرؤى النظرية لهذه اللعبةيمكن أن تكون ذات أهمية محورية. حتىالمجتمع المثاليلا يمكن الحفاظ عليه بشكل ثابت على المدى الطويلمما يجعل السعي إلىمجتمع شيوعي يبدو في نهاية المطاف أنه غير واقعي، كما لاحظ غروس.

الكاتب بشائر

بشائر

مواضيع متعلقة

اترك رداً