أقلام

حوارية (٥٧)

زاهر العبد الله

هل يصح أخذ الحكم الشرعي دون مرجع التقليد؟
سؤال: هل يمكنني أن آخذ الحكم الشرعي من المفسر للقرآن الكريم دون الحاجة للرجوع للفقهيه الجامع للشرائط؟

الجواب له عدة وجوه، والقاعدة العامة في أخذ الحكم الشرعي يكون لفتوى الفقيه المرجع الجامع للشرائط وليس للمفسر للقرآن الكريم.

ومن تلك الوجوه مايلي:
الوجه الأول: مع العلم أن الفقيه هو مفسر في الأساس وإن لم يكن له كتاب مستقل في ذلك إذ لا يمكن فهم الأحكام الشرعية بشكل دقيق حتى تمر بسلسلة من العلوم مثل اللغة ومداليلها وحيثية الحكم من حيث التفسير والتأويل وأسباب النزول وقول أهل البيت عليهم السلام في توضيح الآيات وترجمتها كما قال تعالى ﴿….. وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ﴾ [النحل: ٤٤]
وقال تعالى:
﴿وَما أَنزَلنا عَلَيكَ الكِتابَ إِلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اختَلَفوا فيهِ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ﴾[النحل: ٦٤]
تشير الآيات أن من يبين أحكام القرآن الكريم هو النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي أهم وظائفه التبليغية، ثم العترة الطاهرة من الأئمة الأثني عشر عليهم السلام بنص القرآن الكريم كما في قوله تعالى ﴿… وَما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَديدُ العِقابِ﴾
[الحشر: ٧]. وغيرها من الآيات المؤيدة لذلك ومقتضى الآية الشريفة الأخذ بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع أحكام الله سبحانه وتعالى وهو (قال: إني مستخلف فيكم خليفتين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). (١)
وفي حال غيبة الإمام المعصوم المبيّن للحكم الشرعي الرجوع للفقهاء وهذا ما أوصى به أهل البيت عليهم السلام بل ما أمروا شيعتهم عليه كما سنبين ذلك لاحقاً.
وهذا المناط اليوم بعمل الفقيه الجامع للشرائط فيكون مقتضى هذه القاعدة كل مرجع فقيه جامع للشرائط هو مُفسر أيضا للقرآن الكريم وليس كل عالم مفسر يستطيع أن يفتي الناس بالحكم الشرعي خصوصاً فيما يُختلف عليه وليس الكلام ماطابق قوله معناه وهو ظاهر الآية مطابق للقول وهو الوجه الثاني

الوجه الثاني: هناك آيات بينات ظاهرة في الحكم الشرعي مثل قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اجتَنِبوا كَثيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعضَ الظَّنِّ إِثمٌ وَلا تَجَسَّسوا وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يَأكُلَ لَحمَ أَخيهِ مَيتًا فَكَرِهتُموهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحيمٌ﴾
[الحجرات: ١٢]
هنا المفسر يستطيع أن يعطي توضيح الآيات حسب ظاهرها وفي باطنها فروع لا يعرفها إلا الفقيه الجامع للشرائط،
فظاهر الآية يقول
حرمة سوء الظن – والتجسس – والاغتياب بنحو الجملة والطلاق.
في حين أن نظر الفقيه في هذه الآية يمر في مراحل عدة قبل استنباط الحكم الشرعي فهناك أدلة تفصيلية نجملها في القرآن الكريم ثم السنة المتمثلة في أقوال وأفعال وتقريرات النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته، ثم العقل ثم الإجماع من خلال جمع القرائن المؤيدة لترجيح حكم على حكم. أضف إلى ذلك مراعاة المصالح والمفاسد في باب التزاحم كما هو معروف في محله..
فحينما يرىد الفقيه استنباط حكم شرعي من الآية السابقة يقول بشكل موجز وهنا للتوضيح للسائل فقط..
١- حرمة سوء الظن بالجملة ولكن لوتكرر وجود فلان في مواطن الشبه يأتي تفصيل آخر فيجوز الظن به
٢-وكذا لا يجوز التجسس بالجملة ولكن إذا أدى ذلك لكشف خطط العدو ومكرهم يجوز ذلك.
٣-ولاتجوز الغيبة ولكن إذا تجاهر الفاسق بفسقه جازت غيبته.
٤- يراعي المصالح والمفاسد التي تنسجم مع روح القرآن الكريم.
وهنا الفارق الجوهري بين الفقيه والمفسر وهذا لا يقلل من معارف المُفسر بل طبيعة التخصص كل واحد منهما فالمفسر يذهب إلى فحص ظاهر الآيات من حيث مدلولها اللغوي ومايظهر من الآية الكريمة، بينما طبيعة تخصص الفقيه حين النظر للآيات أوسع من المفسر فلذا الآية تكشف له كل حيثيات الحكم الشرعي ولكن المفسر لاتكشف كل حيثياته

الوجه الثالث: قد يتطابق قول الفقيه والمفسر في الحكم الشرعي ولكن اللازم على المكلف هو أخذ الأحكام الشرعية من الفقهاء الجامعيين للشرائط وقد أيد ذلك القول القرآن الكريم والعترة الطاهرة ولبيان ذلك نقتصر على رواية واحدة.
وهي عن صفوان، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك؟ فقال:
من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً لأنه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به قلت: كيف يصنعان قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم الله قد استخف وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله. (٢)

الخلاصة لعمل المكلف:
قول الفقيه الجامع للشرائط حجة عليه، ولكن قول المفسر ليس حجة على المكلف إلا إذا كان كلام المفسر طابق فتوى الفقيه الجامع للشرائط.
والله أعلم.
٢٢/ ١ / ١٤٤٢ هـ .
————-
(١)م:بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٢ – الصفحة ٢٢٦
(٢) الكافي – الشيخ الكليني – ج ٧ – الصفحة ٤١٢

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى