أقلام

آفة الحسد بين الأفراد والجماعات!

الشيخ حيدر حب الله

الحسدُ آفة عظيمة يعاني منها عموم الناس عادةً، وقد حذّرت منها النصوص الدينيّة والأخلاقيّة، وتحدّثت عن أسبابها ونتائجها.
ما أودّ أن أتحدّث عنه هنا هو الحسد الجماعي، وذلك أنّ الحسد يمكن أن يكون من شخصٍ لشخصٍ آخر محدَّدَين، فيحسده على ما آتاه الله من مالٍ أو جاه أو علم أو غير ذلك، ويمكن أن يكون أيضاً من جماعة لجماعة أخرى؛ لأنّ السلوك الأخلاقي السيّء أو الحَسَن يمكن أن يكون مجتمعيّاً ويمكن أن يكون فرديّاً (..لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ..) (الحجرات: 11).

في الحسد الاجتماعي أو الجماعي، ما شئتَ فعبّر، تسري حالة الحسد في جميع أو أغلب أفراد جماعةٍ ما أو مجتمعٍ معيّن أو فئة معيّنة؛ لأنّها ترى أنّ جماعةً أخرى أو مجتمعاً آخر أو فئة أخرى حقّقت أو حصلت على ما لم تحصل هي عليه، فتبدأ الجماعة بحسد جماعةٍ أخرى. إنّه أشبه بوباء ينتشر فرديّاً في كلّ ثنايا روح الإنسان فيُعميه ويصمّه ويقتله، كما ينتشر في أفراد الجماعة كالنار في الهشيم. ويتطوّر الحسد في كثير من الأحيان إلى سوء ظنٍّ دائم ومستحكِم، ثمّ حقد (حقد طبقي ـ قومي ـ ديني ـ مذهبي ـ سياسي ـ حزبي..)، ويضرب المرض في أعماق النفس الفرديّة والجماعية بعمق، ويصبح التخلّص منه عسيراً.

*دعوني أتكلّم عن نقطتين:*
1 ـ *من أسباب الحسد أو ملازماته، حبّ التملّك المتفرّد،* فالإنسان ـ الفرد أو الجماعة ـ يطغى عليه مرض الرغبة في التفرّد بالتملّك، سواء كان هذا التملّك مادّياً أم معنويّاً، اجتماعيّاً أم سياسيّاً، فهذا المال لي وحدي، وذلك الجاه كذلك، وهذه الجماعة أو المجتمع أو الدين أنا المالك الوحيد لهم، ولا يحقّ لغيري أن يشاركني فيهم! تغوّلُ الملكية الفرديّة بهذا المعنى يجرّ الإنسان نحو الرغبة في سلب أيّ نوع من الملكية عن الآخرين، وهو الحسد المذموم.

2 ـ *التبرير المنطقي للحسد*. يجب أن لا نكون بسطاء فنتصوّر أنّ الحاسد لا يحاول خلق تبرير منطقي لما يقوم به. كلّ أنواع الرذائل تقريباً يظهر مبرّرون لها في بعض الأحيان. إنّها النفس الإنسانيّة التي تسخّرُ العقلَ لكي يقدّم لها ما يُرضيها ولا يزعجها!.. هذا معناه أنّ التبرير المنطقي لا يلغي كونك حاسداً في بعض الأحيان، وأنّ الوسيلة الفاعلة لاكتشاف حيلة النفس الفرديّة أو الجماعيّة هي الخلوة الوجدانيّة الصادقة مع الذات. إنّ التبرير المنطقي يظهر بشكل أقوى في الجماعة الحاسدة؛ لأنّ الأمر يصبح عامّاً، ما يُتيح للتبرير المنطقي أن يوجد ويظهر. وطبيعيٌّ جداً أنّه ليس كلّ تبريرٍ منطقي يقف خلفه حسدٌ، ولا كلّ حسدٍ يرافقه تبريرٌ منطقيّ.
رذيلتا: الحسد وسوء الظنّ من أعظم آفات النفس البشريّة، والمراقبةُ والمحاسبة من أهمّ أدوات الوقاية والعلاج. نسأل الله سبحانه أن يمنحنا قلوباً سليمة صافية نظيفة نقيّة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى