وظيفة العلماء والمتدينين

img
زاهر العبدالله
0 الوسوم:, ,

زاهر العبدالله

السائل:
هناك قسوة شديدة على المخلصين من طلاب العلم المتصدين إذا صدر منهم ما يثير الجدل،ولا ربط له في كثير من الأحيان بأصل من أصول المذهب ولا ضروري متفق عليه وقد يكون مجرد رأي خاص جاء عن بحث وتتبع واستقصاء. بعد أن بذل وسعه في هذا المجال فتجد الأصوات تعلو بعبارات التسقيط والبيانات والردود العنيفة أمام مرأى ومسمع المتدينين. ولذا نجد شريحة من المتدينين ينفرون من الدين أو من عالم المتدينين؟

الجواب:
قبل الجواب نحتاج أن نعرف من هو العالم المخلص الذي تقصده؟
لا شك أنك تقصد ذلك الفاضل الذي جل وقته في العلم والتعلم والدرس والتدريس. يدافع عن الدين وأهله والمذهب وأهله. يرد على أهل الشبهات بما ينقذ به ضعفاء الشيعة الذين قد تعصف بهم الشبهات المسمومة ـ وخصوصاً ممن عززت عنده روح الأنا والتملك وحب الدنيا وحب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والتساهل في أمر التكاليف الشرعية ـ فيكون جل وقته في خدمة الدين وأهله ملتزماً بخط المرجعية الرشيدة في أوامرها وتبليغ تعاليمها للناس، والمحافظة على حرمتها بينهم ووو …. فهو مصداق لهذه الرواية الواردة في كتاب الاحتجاج: بالإسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به جاء يوم القيامة وعلى رأسه تاج من نور يضيء لأهل جميع العرصات، وعليه حلة لا يقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها، ثم ينادي مناد يا عباد الله هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمد ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزه الجنان فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيراً أو فتح عن قلبه من الجهل قفلاً، أو أوضح له عن شبهة. (١)

السائل:
نعم هذا ما أقصده عيناً.

الجواب:
كنت أعلم ذلك وهنا نقول

*مقدمة:
لا شك أن هناك من طلاب العلم المنافحين عن الدين، والذابين عن حريم المذهب وأصوله وفروعه من يحترق ألماً مما يحدث بين طلاب العلم المتصدين الذين يصدر منهم هفوات حسبما يصل من تسجيلات أو مقاطع في وسائل التواصل الاجتماعي، فتجد الغيور على الدين من طلاب العلم المخلصين خصوصاً المتصدرين منهم يهب منتفضاً لنصرة الدين والمذهب، وقد يصيب في ذلك وقد يخطئ دون قصد منه. ولذا يحتاج طلاب العلم المخلصون إلى أن يكونوا أكثر دقة وحذراً من أن تكون ردود أفعالهم انفعالية ومستعجلة دون تروٍّ وتأمل في كامل الموضوع، ومن ثم يتحرك وفق الوظيفة الشرعية والضوابط العقلائية التي تضبط سلوك طالب العلم المخلص.
لأنه في مقام القدوة أراد ذلك أم لم يرد فكل ما يصدر من ردّات فعل منه تكون محط عناية للمتدينين الذي يعشقون الدين وأهله، ولست في مقام تعليم هؤلاء العلماء تكليفهم بل أريد – فقط – تذكيرهم وأنا أتكلم بحجمي الصغير أمام كبير ما يفعلونه في خدمة الدين وأهله.

‏السائل:
‏ما هي الوظيفة الشرعية التي ينبغي أن يعمل بها طالب العلم المخلص إذا جاءه من التسجيلات وغيره ما يثير الجدل؟

‏الجواب:
‏ أنا القليل الضعيف أقل من أن أعلم أصحاب الفضل والفضيلة من العلماء العاملين المخلصين تكليفهم الشرعي ولكن سأعمل بما في قوله تعالى :
‏{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)} الذاريات. وهذا من باب الحب الشديد للعلماء المخلصين ويشهد الله وملائكته ورسله وأولياؤه على ما أقول وهذا حق لهم في رقبتي.
١- التروي والتثبت:
على العالم المخلص أن يتروى كثيراً جداً بأن يعرف حيثيات الموضوع كاملاً فيرى هل ما قيل يخالف أصلاً من أصول الدين أو ضرورياً مشهوراً بين علماء المذهب أم لا؟
٢-الإحاطة التامة بالموضوع:
على العالم المخلص كي تكون لديه إحاطة تامة بالموضوع أن يتاكد أن مابلغه تاما وليس مبتوراً او مقطوعا من سياقه، وهل في أوله أو آخره ما يعد قرينة صارفة أو جامعة قبل أن يبدي رأيه أو يصدر حكمه؟
٣- المواجهة والمشافهة:
على العالم المخلص أن يتواصل مع من أثار الجدل في القضية الدينية بشكل مباشر أو عبر وسيط ثقة ضبط ـ بحيث يستوضحه فيما أشكل عليه ـ بسؤاله فيما صدر منه، ثم عليه أن لا يعطي الناقل من ثقاته العصمة المطلقة، فلعله اشتبه في النقل، ثم يناقش طالب العلم فيما قال فإن تراجع فالحمد لله تعالى وإن أبى ينبه على أن أمره سيرفع إلى مقام المرجعية الرشيدة. فإن أصر على موقفه يبقى له رأيه مادام لم يخالف أصلاً من أصول المذهب أو مسلماً أو مشهوراً بالضرورة.
٤- مراعات حسن الخلق:
ينبغي أن لا تخرج من المدافعين كلمات غير مسؤلة مما ينفر المتدينين منهم. فقد صدر من بعضهم قوله: إن الدين الذي لا يستطيع ضبط سلوك طالب العلم المخلص في ردود أفعاله فهذا الدين فيه خلل !!! فتكون له ردة فعل عنيفة تجاه الكل دون استثناء فيخرج حتى من عالم المتدينين ويكون معول هدم في المجتمع بدل أن يكون عنصر بناء وثقافة ونشاط يخدم الدين وأهله.
فقد روي عن سيد الموحدين عليه السلام أنه قال :(..المسلم مرآة أخيه، فإذا رأيتم من أخيكم هفوة فلا تكونوا عليه، وكونوا له كنفسه وأرشدوه وانصحوه وترفقوا به. إياكم والخلاف فتمزقوا، وعليكم بالقصد تزلفوا وترجوا.. )(٢)
٥ ـ العدل والإنصاف:
على العالم المخلص قبل أن يصرح بانطباعاته اويبدي رأيه تجاه من اختلف معه.أن يكون عادلا وأن يتحرى الإنصاف، والموضوعية وأن يتعامل مع الأفكار بحيادية، بحيث لا يسقط رأيه على الأفكار ( سلباً أو إيجاباً) على صاحبها من مبدأ انظر لما قيل لا لمن قال. ولأن التفريق بين الفكرة وصاحبها يكون سبباً في قبول الاختلاف واحترام الآخر ودوام المحبة.

السائل: ما هي وظيفتنا نحن الشباب المتدينين إذا أثيرت جدليات بين طلاب العلم المخلصين؟

الجواب:
أعلم أيها السائل الكريم أن الكثير من أهل الفضل من العلماء من يملك الحكمة والدقة والورع فيراعي كل ما قلناه ولكن حديثنا عن البعض منهم غفر الله لهم.
١- مراعات حرمة المؤمن وحفظ المقامات:
اخي المؤمن المتدين أولاً أعرف ذاتك و احفظ مقام الآخرين ولا سيما العلماء العاملين المخلصين. كما روي عن سيد الموحدين علي عليه السلام ( رحم الله امرء عرف قدره ولم يتعد طوره ) (٣)
فلا يتجاوز حدود الاحترام والتقدير لأنه فسح له في التعبير .
٢- الحياديةوالموضوعية:
عزيزي الشاب المتدين عليك في مثل هذه الأمور أن تلزم الحيادية وتعمل على مد جسور المودة بين طلاب العلم وتوضيح ما يلتبس عليهم من اشتباه في التشخيص بتوفير الأدلة التي تغير من قناعة بعضهم. متدرعاً بحسن الظن والابتعاد عن سوء الظن الذي نهينا عنه في لسان الروايات والآيات كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }.
٣- الاستيعاب والتعزيز وردم الثلمة:
وهذا ما ينبغي أن تعمل عليه اخي المتدين جاهدا وذلك بالجلوس مع الاثنين لمعرفة منطقة الإختلاف وتأطيرها ومن ثَمَّ استيعابها. فإذا كان هناك ثمة مشترك عززناه و المختلف نصغره .
٤- إصلاح ذات البين:
عليك أن تعمل أيّها المتدين على إصلاح ذات البين وتقريب وجهات النظر. وذلك عندما تكون عنصر تهدئة لا عنصر شحن بين الطرفين حتى لو سمعت ما يؤذي لأنه قد يكون ما قيل قد قيل في وقت انفعال فاحرص اخي المتدين على ألا تكون عنصر فتنة بين المختلفين لأنها أشد من القتل فقد رود في تفسير قوله تعالى: {والفتنة أشد من القتل} في تفسير البرهان عن نهج البيان عن أبي جعفر (عليه السلام): الفتنة هنا الشرك، يعني في قوله: والفتنة أكبر من القتل)
٥ ـ القراءة الصحيحة للنتائج:
عليك أيها المتدين أن تقدر النتائج المترتبة على تدخلك بين الطرفين. فتقيسها وفق المصلحة والمفسدة دون تعصب لطرف دون أخر ولتكن في موقف الحيادية قدر الإمكان.
٦- التقدير والاحترام ونكران الذات:
عليك أن تعمل على تعزيز مكانتهم في النفوس وتذكرهم بمنزلتهم في وجدان المؤمنين، وأنهم في مقام القدوة والرشاد بما يبذلونه في الدفاع عن خط المذهب و الدين والمرجعية الرشيدة وكل طرف يحترم طريقته في الدفاع عن هذا الخط المشترك وإن لم تكن مستساغة لدى الطرف الآخر. فهل نلغي جهاد مَن اختلفنا معه وخدمته المستمرة للدين والمذهب وأهلهما لمجرد قول أو رأي قاله مثيراً للجدل لم يمس بأصل من أصول المذهب ولا بضروري اشتهر عن الفقهاء العاملين.
ثم نذكرهم بضرورة وحدتهم وتوحدهم أمام الهجمات الشرسة والتيارات الفكرية المنحرفة في خط واحد أنفع ألف مرة من الانتصار للذات والانشغال بتبرير أفعالها.قال تعالى ﴿وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللَّهِ جَميعًا وَلا تَفَرَّقوا وَاذكُروا نِعمَتَ اللَّهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعداءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوانًا وَكُنتُم عَلى شَفا حُفرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنقَذَكُم مِنها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُم آياتِهِ لَعَلَّكُم تَهتَدونَ﴾[آل عمران: ١٠٣]
٧- الإعلام الهادف والبنّاء:
أن نعمل على إبراز حسنات المخلصين ونشر نتاجهم العلمي والمعرفي والإشادة بهم في المحافل والمنتديات ودعوتهم ومساندتهم مادياً ومعنوياً بكل الوسائل الحديثة والجذابة التي تسحر عيون المتابعين فتعلقهم بالدين والتدين وحب العلم والمعرفة.
أخيراً: إذا بذلنا كل ما نملك لوحدة الصف وردم الاختلاف بين المخلصين ولم نوفق في ذلك ـ لا سمح الله ـ وهذا مستبعد لكثير منهم، فلا نربط الدين بأفعالهم بل نقول إن الدين عزيز سواء التزموا به أم لا فالميزان هو ما قاله سيد الموحدين ( إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله) فاعرف الحق حقاً يسهل عليك أن تعرف من يتبعه . فيكون الدليل والبرهان هو الحكم وليس الأهواء والميول والحمد لله رب العالمين.

زاهر العبدالله
٩ / ١٠ / ١٤٤٢ هـ

المصادر :
1- بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٢ ص ٢
2- الخصال للشيخ الصدوق ص ٦١٨
3- ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٢ – الصفحة ١٠٥١
٤- مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي ج ٨ ص ١١٨

اترك رداً