أقلام

حوارية (٧٩)

زاهر العبدالله

ماذا نستفيد من قول النملة لنبي الله سليمان (لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)} النمل.

الجواب:
بسمه تعالى .
لكي نفهم الآية بشكل تام لا بد أن نقرأها في سياقها العام من البداية لنستخرج منها كنوزاً معرفية تقربنا من الحق سبحانه وتعالى، وتظهر لنا عظمته في خلقه، ونستلهم منها دروساً في حياتنا العملية.
قال تعالى:
{حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) } النمل

في هذه الآية المباركة إعجاز له عدة وجوه

الوجه الأول:
يتحدث عن تنظيم وقيادة في عالم النمل. فهناك قائد وهناك أتباع يلتزمون قول القائد،وهي النملة التي كانت تتحدث مع بني جلدتها من النمل. ومن يتعمق في هذه الكلمات فإنها تخفي عالماً من المدينة الفاضلة والعادلة التي يعيشها عالم النمل. وعلماء الأحياء كشفوا الكثير عن حياة هذا العالم، فهي إحدى الدلائل الإرشادية من الحق سبحانه وتعالى التي يُعلِم بها عباده كيف تكون الدولة الفاضلة.

الوجه الثاني:
أن لكل خلق من خلق سبحانه لغة عاقلة تدلل على وحدانيته وعظيم سلطانه وقدرته المطلقة على أدق التفاصيل في خلقه وهذا دليل على قاهريته أيضاً.

الوجه الثالث :
معرفة مكونات النفس، فعلى لسان النملة قالت الآية: ( لا يحطمنكم سليمان وجنوده) أي نحن من المفصليات التي هي قابلة للتحطيم والتقطيع، وهذا المنطق عين ما تشير له بعض الروايات التي تؤكد علي معرفة النفس مثل (من عرف نفسه فقد عرف ربه) فالنملة عرفت نفسها وأخبرت بحالها وحددت القرار المناسب لها.

الوجه الرابع:
النملة هنا حملت شعوراً ووعياً بدور الأنبياء عليهم السلام، وأنهم رحمة على عباد الله سبحانه فلا يتعمدون إيذاء أي مخلوق يسبح بحمد الله ويقدسه من إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد مهما كان حجمه، كما أنها تلتمس العذر في حالة عدم انتباه جيش نبي الله سليمان عليه السلام فيقع منهم هذا الفعل وهم لا يشعرون ولا يقصدون. وهنا ينبغي أن نتعلم درساً عملياً من هذه النملة في حسن الظن بالآخرين، إذ ليس بالضرورة أن من أصابك كان يتعمد إيذائك فلعله فعل هذا دون قصد منه.

الوجه الخامس:
تظهر آية عجيبة تفضّل الله بها علي نبيه سليمان وهو أن يعرف ويسمع ويتأثر بمنطق النملة، ويتفاعل مع كلامها ثم يشكر الله سبحانه أنه تفضل عليه بهذه النعمة الكبرى. كما تؤكد على أن الله سبحانه يتفضل على أنبيائه وأوليائه بما لا يمكن للخلق العاديين فعل مثله، وهذا عين قدرته وقاهريته على قانون الطبيعة الفيزيائية التي جعلها الله سبحانه حاكمة على خلقه.

الوجه السادس:
نعمة الشكر من أجمل النعم التي لا بد للخلق أن يتمثلها في كل آناء حياته ويعلم أن الله سبحانه هو، صاحب الفضل على نعمه التي لا تحصى على خلقه. فكلما شكر العبد ربه على نعمه أنعم الله عليه بوافر جوده عليه فسبحانه من مقتدر لا يغلب وذي أناة لا يعجل.

ولو رجعنا لتفسير هذه الآيات لبعض مفسرينا لهذه الآيات مثل الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل حيث يقول:
يستفاد من آيات هذه السورة، وآيات سورة سبأ أن ” حكومة سليمان ” لم تكن حكومة مألوفة، بل حكومة مقرونة بما يخرق العادات والمعاجز المختلفة، التي ورد قسم منها في هذه السورة، والقسم الآخر ورد في سورة ” سبأ “.
أما ما ورد في هذه السورة من الأمور الخارقة للعادة “حكومة سليمان على الجن والطير، وإدراكه كلام النمل، وكلامه مع الهدهد “.
وفي الحقيقة فإن الله أظهر قدرته في هذه الحكومة وما سخر لها من قوى.
……
م: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي ج ١٢ ص ٣٨ /

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى