أقلام

طارت فلوسك يا جاسر

سهام طاهر البوشاجع

يحكى أن جاسر كان يشجع فريقا يلعب كرة القدم وكان يتابع كل مبارياته، يفرح حين يفوز، يقيم احتفالا مع كل انجاز من إنجازاته، يذرف الدموع لتعثره، وحين يخسر كانت كوابيس تلك الليلة تقلق منامه، بل يتعدى الأمر بأن يقضي يومه في حالة اكتئاب إلى أن يتناسى ما كان عليه من بؤس وحزن وألم.
جاسر هذا كان مهوسا بذلك الفريق، يأكل ما يأكلون، ويشرب ما يشربون، ويتنفس الهواء الذي يتنفسون، شيء واحد فقط لم يستطع جاسر أن يحاكيهم فيه، وهو الراتب الذي يتقاضاه كل واحد منهم، بل كان على العكس تماما، فقد كان جاسر في كل مرة يريد أن يحضر فيها مباراة لهم، كان عليه أن يطلب من أحد أصدقائه ثمن تذكرة الذهاب إلى الملعب، وفي أحسن الحالات كان يشتريها مما يوفره من مصروفه الذي يدخره مما يتبقى له من فسحة المدرسة.
لا أعلم أهو من حسن حظ جاسر أم من سوئه، أن فريقه المعني ذاك كان لامعا بطلا يحقق البطولات ويحصد الإنجازات الواحدة تلو الأخرى، وكان إن لم يكن بطل الموسم الذي يلعب فيه، يكون أحد الأربعة الذين يتنافسون على المقدمة والصدارة، الأمر الذي لم يفكر فيه جاسر ولا لمباراة واحدة، أن يتخلى عن فريقه أو ألا يذهب إلى الملعب ليشجعه ويستمتع بذلك، فكان عليه في كل مرة يخرج من الملعب عقب انتهاء أحد المباريات أن يفكر في طريقة ما، يجمع فيها مبلغ تذكرة المباراة القادمة.
إلى أن جاءت آخر مباراة في الموسم وكعادته جاسر استطاع أن يدبر مبلغ تذكرة الحضور وحضر بالفعل المباراة،
فكانت الحماس منقطع النظير، هتافات على جنبات الملعب، وفي وسطه، أعلام ترفرف، وعروض خيالية ممزوجة بألعاب نارية تنتظر تتويج البطل، ولأن فريق جاسر كان في كل مرة يفوز، جهز جاسر لهذا الانتصار الأهم والأغلى تجهيزات مبكرة؛ لأنها خط النهاية لمشوار في موسوم كروي محتدم المنافسة وهي المباراة الأخيرة والذي سيتوج فيها فريقه كبطل، هكذا كان يفكر.
هذه المرة جاسر لم يقترض مبلغ التذكرة فقط، بل اقترض مبلغا آخر ليقيم حفل عشاء فاخر على شرف التتويج بالبطولة، فأعد مأدبة كبيرة، جهزها بجهاز لذيذ مما طاب من طعام وشراب، وزينة وزخارف تبهج القلوب والأرواح، وفي الملعب وبينما تقترب عقارب الساعة من انتهاء الوقت لم يسجل فريق جاسر شيئا من الأهداف على غير العادة، ومع كل دقيقة تمضي كان جزء من حلم الفرحة وأجواء السعادة يتبخر من نفس جاسر، ودقيقة وراء أخرى مضى الوقت ولم يحقق شيئا، بل وعلى العكس سجل الفريق المنافس هدفا في مرمى فريقه، وهنا كانت الصدمة.
لم يتبق سوى ثوانٍ بسيطة وتنتهي المباراة وينتهي كل شيء ببساطة، كما تتبخر ذرات وجزيئات الماء ببساطة بعد فترة غليان طويلة، ومع آخر ثانية وانطلاق صافرة الحكم وسط ذهول جاسر وكثير مثل جاسر أعلن المذيع الداخلي في الملعب نهاية المباراة وتتويج الفريق الآخر بالبطولة.
جاسر من هول ما يرى ويسمع لم يكن يعرف ماذا يفعل هل يجلس لتهدأ نبضات قلبه التي أصمت أذناه، أم يمشي وهو بلا وعي وحسرته تكاد تفقده أنفاسه المتلاحقة، وكيف له وعي وإدراك وهو يفكر في تلك الوليمة التي جُهزت وأُعدت، وتلك الاحتفالية التي كان مقررا لها أن تقام حتى صلاة الفجر من اليوم التالي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى