أرشيف

لقاء مع سبعيني

عبدالباري الدخيل

ينشغل الإنسان في زاوية من عمره بالمستقبل، ليس ذاك الانشغال ببناءه، بل بمعرفة تفاصيله.
فتراوده أسئلة عن السعادة والشقاء، الغنى الفقر، الراحة والتعب.
من الأسئلة التي مرت في ذهني..
كم سأعيش؟
وكيف ستكون حياتي عندما أصبح كهلًا ثم شيخًا؟
هذه الأسئلة وإن كنت أنظر إليها على أنها نوع من الترف الفكري، إلا أن بعض الناس تشغل حيزًا كبيرًا من فكرهم، فتراهم على أبواب المشعوذين، وقارئي الكف، والفنجان، ومفسري الأحلام، بل تجد لهم اهتمامًا بالأبراج وكأنها حق محض.
كان زميلي في السكن الجامعي منهم، شاب مهووس حد الجنون بالتكنلوجيا ومتابعة الأبراج، عقله كمبيوتر لكنه يستسلم لما يقوله حظه اليوم، وحديثه عنهما دائم، فهما أكله وشربه.
ولأنه مشغول بالمستقبل وماذا سيحدث فيه جاء ذات صباح يبشرني أنه اخترع تطبيقًا يستطيع أن يكتشف التغيّرات التي تحدث في ملامح وجهك بعد خمسين سنة أو أكثر.
وطلب مني أن أجلس أمام الكاميرا، فجلست استجابة فقط لإشباع فضوله وإن كانت هناك رغبة عندي أن أعرف ملامحي، كيف ستكون.
لم أتغير كثيرًا، وجه مستدير، تحيط بالخدين لحية خفيفة بشعر أبيض ناصع.
فقدت أكثر شعر رأسي، وما بقي تفرق على مساحة الرأس الجانبية، وأثر للسجود يعتلي الجبهة العريضة، وخطوط التجاعيد في وجهي الأسمر آثار لمرور السنين.
عينان أخفى الزمن واحدة فمال الجفن للراحة وبقيت الأخرى مشعة، وابتسامة رقيقة تجعلني رجل كبير في السن فقط.
وأنا أدير الأسئلة في رأسي:
أهذا أنا؟
إنه يشبهني لكنه يشبه رجلًا آخر، ثم تذكرت يشبه من؟
قال لي بعض أصدقاء أبي أنني أشبهه في شبابه، فهل سأصبح نسخة منه في كهولته؟
فجأة سمعت صوت أحدهم يخاطبني:
كيف حالك؟
نظرت وإذا بالصورة تتحرك، وتبتسم، أجبته:
– من أنت؟
– لماذا تسأل من أنا؟ ابحث دائمًا عن المعلومة، “انظر لما قيل ولا تنظر لمن قال”.
– ماذا تنتظر مني وأنا أراك لأول مرة؟ أن أتحدث معك عن صناعة الطائرات؟
– هل أنت أحمق؟
– لا طبعًا
– إذًا لماذا لا تتعلم اللباقة في الحديث مع كبار السن؟
– آسف.. فقد فاجأني حضورك المباغت.
– ما هي أحلامك وآمالك أيها الشاب؟
– لا يوجد لدي الكثير، فقط أن أتزوج من أحب، وأن أعمل في الوظيفة التي تتلاقى مع هوايتي.
– وما هي هوايتك؟
– الكتابة، القراءة
– والمراسلة. وأخذ يقهقه بصوت مرتفع
– لماذا لا أعمل مثلًا في مكتبة؟ أو دار نشر.
– أو صحفي. أكمل بصوت هادئ، ثم ابتسم. وأكمل:
– يجب أن تكون طموحات الشاب أكبر من زوجة ووظيفة، عليه أن يطمح أن يغير العالم.
– العالم مرة واحدة؟
– ولمَ لا؟
– من رام وصل الشمس حاك خيوطها. كما قال حافظ إبراهيم.
– وقال سيد البلغاء الامام علي: ما رام امرء شيئا إلا وصل إليه أو ما دونه.
– أفكر في تغيير سيارتي، لماذا أفكر في أكبر من حجمي؟
– وهل مقدار حجمك سيارة تتغير وزوجة ترتبط بها؟
– وماذا تريد مني أن أفعل؟ هذا أنا
– لا ليس هذا أنت.. بل هذا ميلك وخمولك وعباطتك
– أنا عبيط؟ وأنت ماذا فعلت لتكون لقمان الحكيم؟
– نعم.. هكذا تعلم أن تستفيد من الفرصة وتسأل عن المفيد؟
– آسف.. حدثني عن هذه السنوات التي مرت بك ماذا استفدت منها؟
– لن تتعلم إلا إذا جربت.. كان أبي ينصحني بالابتعاد عن السهر، وكنت أراه متحكمًا في تصرفاتي، اليوم أحذّر ولدي من نفس المشكلة.
– كم ولد لديك؟
– لماذا لا نتحدث بعيدًا عن الذات؟
– أجد في وجهك شبه بأحد أعرفه لهذا أحببت أن استوضح من أنت؟
– يا أنا.. أنا أنت
– فلسفة جميلة
– أنت الآن.. وأنا بعد خمسين عامًا.
– عمرك الآن سبعون عامًا!
– أنت ذكي جدًا. يبتسم عن أسنان بيضاء ناصعة كالؤلؤ.
– إذا كنت كذلك فدعني أسألك عن الحب.. كيف استطعت أن تخوض بحاره؟
– لم اتجاسر إلا على تجربة واحدة.. غرقت السفينة فانتهت رحلة الحب.
– لم يمل قلبك لغيرها؟
– لا.. القلب الذي يخسر حلمه الاول، تتحول أيامه إلى روتين.
– هذا غير صحيح، فالقلب كالأرض، تنبت الورد كل موسم.
– القلب يا (…) بعد الحب يصبح أرض (بور) لا تصلح لشيء.
– لكنك تزوجت.
– نعم
– ألم تجرب أن تحب زوجتك؟
– جربت ذلك أربع مرات لكنني فشلت.
– الأرض البور؟
– نعم.. للأسف
– وماذا عن العمل والأصدقاء والدين؟
– من أجل الرزق تركت هواياتي، وعملت موظفًا، انتظر أن ينتهي الشهر لأقبض المقسوم.
– والأصدقاء؟
– لم يبقَ منهم إلا الأصيل..
– ألم تندم على فراق بعضهم؟
– بكيت على بعضهم ثم تعلمت أن الورق اليابس هو الذي يسقط من الشجرة.
– وماذا أيضًا؟
– من غاب عند حاجتك له.. دعه غائبًا إلى الأبد.
– كنتُ متدينًا.. هل واصلت تمسكي بديني؟
قطع حديثنا صوت صديقي يسألني: هيه أين وصلت؟
قلت له: مازال جسدي هنا
قال: بدأت الفلسفة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى