إيحاءات قرآنية ٥

img

سيد أمير العلي

حينما يكون التأسيس الفكري ضعيفاً، والبناء الإيماني غير مستحكم، فإنّ الإنسان يخفق أمام أوّل صدمة ناتجة عن انفتاحه على تجارب الآخرين، فيتخلّى عن أوضح اللوازم المفترضة للهويّة التي ينتمي إليها. ومن أجل تبرير هذا الاستسلام يسعى إلى محاولة محاكاة التجارب الأخرى، واستنساخ ما يعجبه منها، وإعادة إنتاجه في واقعه وبيئته، غافلاً عن تناقضه أو تعارضه مع ثقافته ورؤيته في الحياة، وهذا ما يجعل الوليد الفكري والثقافي الجديد مشوّهاً، وغير منسجم.

يسلّط القرآن الكريم الضوء على هذه الحالة، وبعد أن يشير إلى سببها الأساس، وهو الجهل وعدم استحكام المعرفة الإيمانية، يقدّم الطريق الصحيح لقراءة تجارب الآخرين، وهو قرائتها من جهتين، الأولى جهة مآلاتها ونتائجها، والأخرى جهة أسسها التي تقوم عليها.

فإذا قامت أيّ تجربة حضارية وثقافية على أسس لا تتوافق مع فطرة الإنسان وعمارته الإلهية، فاختزلته في بعده المادّي مثلاً، فإنّ المستقبل المنتظر لهذه التجربة هو التداعي والانهيار، ولا معنى لأن يتخلّى المؤمن عن نظرته الإيمانية من أجل محاكاتها.

ما يميّز هذه الطريقة القرآنية المقترحة هو أنّها تأخذ الإنسان من موقف الانفعال إلى موقف الفعل، في علاقته بالآخر المختلف ثقافياً وحضارياً، وهو ما نحتاجه بشدّة؛ كخطوة من أولى خطوات سيرنا باتّجاه الوصول إلى حضارتنا، التي نرى أنّها سبيل تحقيق المجتمع البشري لسعادته، واطمئنانه، وكماله المنشود.

*(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ،*
*فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ،*
*قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ،*
*قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ*
*إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ،*
*وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)*
سورة الأعرافة؛ ١٣٧-١٣٩.

اترك رداً