أقلام

( صانع العبقرية )

د. علي البراهيم

(فكرة دينية متنوّرة ،وصياغة أدبيّة ماتعة)
حين يتجلّى الفكر الديني الرصين في أسلوبٍ أدبيٍّ رفيعٍ يكون للفكرة تأثير بالغ ، وللكلمة وقعٌ آخر … وحين تمتزج رؤى الدين وتعاليمه ونظامه بالحياة العصرية وفكر الشباب المتنوّر بنور الإسلام وهدي القرآن تشعّ من عمامة رجل الدين شمس الحقيقة والمعرفة فيلتمس دِفْأها أبناء هذا الجيل الذين قرصتهم برودة العناوين البرّاقة الخدّاعة وزيف التّرهات … فيُحسن الواعي منهم والنابه اقتناص الفكرة وقبول النصيحة وإدراك الحقيقة في تعاليم الشرع ونهجه الحكيم …

إنّ ( صانع العبقرية ) لكاتبها فضيلة الشيخ عبدالجليل البن سعد (دامت إفاضاته) رواية فريدة في فكرتها ومضمونها ،وناصعة في سبكها وصياغتها ، فهي شكل من أشكال السرد النثري القصصي المطوّل فشخصياتها امتازت بانفعالات وأحاسيس ومشاعر خاصة جعلت منها عنصرا مهمّا وخلاّقا بين عناصر الرواية الأخرى ، فهي رواية فنيّة اعتمدت على الواقع تجلّى فيها الحس الفردي وذاتية الكاتب -وأعني بالذاتية هنا عرض الكاتب لأفكاره ووجهة نظره وتحليله لتعاليم الشرع وفهم مقاصده – وذلك من خلال موضوع الرواية بطريقة غير مباشرة .

فمن يُنهي رحلته الجميلة مع ( صانع العبقرية ) يجد إسهاب الكاتب في الوصف التفصيلي لعناصر الزمان والمكان والشخصيات ممتزجةً بالأحداث وهو من خصائص الرواية الحديثة وجمالياتها ؛ إذ إنه جاء وصفا مقصودا يأخذ القارئ إلى عالم ٍ من التأملات والأفكار والحقائق .

إنّي لأحسبُ الكاتب -وأنا أقرأ الرواية – صيادا ماهرا يغوص في الأعماق فيعتني بصيده أيّما عناية فلا يغتنص من الكلمات والعبارات إلا ما يؤدي غرضه ويُشبع نهمَه الفكري ، ويحمل رسالتَه الدينية إلى شرائح المجتمع المختلفة في أبهى صورة وأنصع فكرة ..

وقد تراه أيُّها القارئ الكريم يتجلّى في شخصية (شبّر والخال فؤاد والمهندس أيّوب والشيخ محمد أمين ) فتجده ملمّا ومطلعا على الجوانب المحيطة بما يكتب ، وبصيرا بفكرته يُشبعها طرحا وتحليلا ، فتبرز المصداقية والواقعية فيما يكتب ، بل إنّ القارئ يعيش ما يقرأ؛ لأنه يرى نفسه حاضرا في الواقع والحقيقة فينجذب إليهما …
امتازت ( صانع العبقرية ) بتفصيل الأحداث ونسجها بطريقة تُحرك العقل وتضخ المشاعر والأحاسيس نحو الهدف والغاية ، فلقد حاول الكاتب أن يخلق قوة فكرية ويشحن رصيدا إيمانيا في شخصية (شبّر ) الذي يمثل الشاب الواعي المنفتح على عصره بسلاح الإيمان والعلم ، وقد برع في ذلك إذ جعل القارئ متحمسا ومتشوقا لمتابعة الأحداث وفهم الشخصيات ، وذلك من سمات الرواية الناجحة .

إنّ قدرة الوصف البديع التي امتلكها الكاتب – وبلغته الرفيعة غير المستعصية على الفهم – جعلت القارئ يرى الشخصية عيانا ويعيش دورها أحيانا ، فهو يقف على دقائق وتفاصيل تمرّ عَرَضا في سرد الأحداث قد يظن القارئ أنها مجرد حشوٍ لا فائدة منه ،وإثقال وإرهاق للرواية بلا معنى ولا أحسبُه كذلك بل إنّ كلَّ وصف كان يعمد إليه هو مقصود ،فإما أن يكون لكشف طبيعة وسجية في الشخصية ، أو لدعم إيصال فكرة ووجهة نظر ، أو تعزيز لحالة إيجابية وتهوين لحالة سلبية ، أو إيماءة ذكيّة لسلوك مقبول أو مرفوض أو إشارة إلى مرمى بعيد الهدف …
لقد برع الكاتب في توظيف قصة التكليف والاحتفاء بها في المجتمعات الواعية ، وجعلها نافذة واسعة تطلّ على قضايا كثيرة عقائدية وأخلاقية وتربوية واجتماعية وفكرية واقتصادية ، ولقد كان -هنا- وفيًّا مخلصا مع مجتمعه ومنطقته ( الأحساء ) إذ أشار إلى بعض ما تزخر به من علماء وشخصيات تركت بصمتها على وجه التاريخ وطاقات تبعث الحياة في روح الشباب ، وإنّي لأحسبه قد وُفِّق في ذلك .

لقد أجاد الكاتب وأحسن التعريف بروايته بطريقة ذكيّة وغير مباشرة في الفصل الأخير ( المقهى الدوري للكتاب ) إذ حاول أن يوجّه كشّاف فكره ومصباح عقله إلى أسرار مفاصل الرواية وهدفها فجعل ذلك آخر المطاف ليجعل القارئ يصل إلى ما يريد قوله بقناعة وإيمان ورويّة …
إنّها رواية أدبية فنية شقّت طريقها على غير المعتاد في الفكرة والمضمون ففتحت مسارات خلاّقة للفرد والمجتمع ؛ لأنها خرجت من رحم الواقع وتنهدات الحقيقة لا من نسج الخيال وزيف التخرصات ، وحريٌّ بكل أسرة أن تقتنيها وتشجع على قراءتها ، وحريٌّ بكل أبٍ واعٍ مثقف أن يجعل منها منهاجا تربويا لأبنائه ، وحريٌّ بكل أمٍّ تُعدُّ شعبا طيّب الأعراق أن تقف على مفاصلها ، وحريٌّ بكل شاب يتفتح على مناحي الحياة -بعد أن شرفه الله بالتكليف- أن يجعلها تحت وسادته لتكون منطلقا له ونقطة مركزية تدور حياته في مداراتها … فلعمري إنها فريدة بين فرائد الكاتب (حفظه الله ورعاه ) ويتيمة بين بنات أفكاره .

وفّق الله شيخنا الفاضل وجعل فكره وقلمه منارا يهتدي به التائقون إلى العلم والمعرفة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى