أقلام

المذاهب المعرفية في جائحة كورونا

د. خليفة الغانم

أحبائي.. كنت أتحدث مع إحدى بناتي وهي طبيبة ودار حديثي معها حول الكويتية المدعية اكتشاف اللقاح وهي تتباكى الى أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد رحمه الله ، وهذا التغنبج والتباكي اللاداعي بحد ذاته ينسف مثل هذه الإثارات الغير منطقية .
في طريق عودتي من الأحساء انتابتني هذه الخاطرة فيما يرتبط بسلامة العقول من الخرافات والأوهام والنظريات والأقاويل الغير منطقية اختصرها قدر الامكان ؛ لعله يلقى قبولا واستحسانا عندكم ولا سيما أن كورونا كشفت ٣ أصناف من الناس بكل وضوح على الملأ هم : عقلائي ، تجريبي ،اللاعقلائي اللاتجريبي .
من أهم النظريات لكسب المعرفة تسمى نظرية المعرفة وقد أكدت في ثناياها وفي بعض محاورها أن تطور المعارف والعلوم البشرية تركزت على جانبين :
الأول : الجانب العقلي النظري وهذا يعني فلسفة العلوم ونظرياتها للوصول إلى حقائق أو قناعات منطقية كما مرت عليكم في مادة الرياضيات لاثبات بعض القوانين والنظريات تلخصت في عبارات متكررة على ألسن معلمي وأساتذة مادة الرياضيات :بما أن وإذا ، ه.ط،ث، .
وقد تناول هذا الجانب عدة علماء في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك و…. فمثلا نظرية النهايات أو نظرية فيثاغورس أوقوانين نيوتن وحديثا النظرية النسبية لإنشتاين التي عملت قفزة في علم الفيزياء ونسفت ماقبلها من نظريات وبعض القوانين ذات العلاقة ، وهذه الفلسفة المذهبية ممكن ان تتمدد إلى الميتافيزيقيا أي ( ماوراء الطبيعة فيما يتصل بعظمة الله وجلاله سبحانه وتعالى ) كما فلسفها العبقري الشهيد محمد باقر الصدر في عدة كتب منها فلسفتنا وأيضا كتاب الأسس المنطقية في الاستقراء في هذا الكتاب على وجه الخصوص استخدم عدة علوم لإثبات أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المدبر لهذا الكون وليس كما ذهبت إليه بعض النظريات التي تقول بإنه محض الصدفة أو نتيجة لتفاعلات كيميائية هي التي صنعت هذا الكون الهائل بينما الشهيد الصدر دحض هذه النظريات وفق العلم المستند على نظريات العلوم والرياضيات وقد نجح نجاحا باهرا شهد له علماء وفلاسفة عصره العالميين .
الجانب الثاني : علماء التجريب ( استخدام الحواس الخمس ) وهؤلاء لايؤمنون إلا بالتجارب الحسية الملموسة وبرع فيها عدة علماء مثل جون لوك الإنجليزي ، باركلي ، كارل ماركس ، ماوتسي تونغ ، وعلماء الطب وبعض علماء الطبيعة والقانون .
لهذا صار صراع طويل بين الجانبين وما زال قائم حتى يومنا هذا
السجال بين المذهبين العقلي والتجريبي يدور حول دور العقل ودور التجربة في كسب المعارف السليمة ، فأصحاب المذهب العقلي يرون أن لديهم طرق عقلائية تنوب عن التجربة ، بينما المذهب التجريبي في الجانب المعاكس يقولون بأن الحواس منها تبدأ المعرفة وإليها تعود .
وما عدا هذين الجانبين تبقى المعلومة ليست خاضعة للعلم العقلائي أوالتجربة الحسية ونتائجها تكون مرفوضة في مراكز البحوث العلمية مثل لقاح هذه الكويتية وغيرها كثر لاأريد أن أستطرد فيها .
الثالث : المذهب اللاعقلائي اللاتجريبي : احتراما لمشاعر أصحاب هذا المذهب لإنهم للأسف أغلبية على مستوى العالم أعطيتهم هذه التسمية ؛ لانسانيتهم المحترمة بعيدا عن الخدش والتجريح وإلا معظمهم للأسف يغلب على سلوكهم الاضطراب النفسي والتشنج والانفعال الغير مبرر إلى حد رفع الصوت والشجار في النقاش وهذا من الأرجح يعود لتعلقهم بالخرافة والوهم والسطحية العلمية ، والسبب الرئيس لإن معظم معارفهم التي تلقوها تربويا وتعليميا في البيت والمدرسة والجامعة وتبنوها لم تخضع للعقل والتجربة وحلت محليهما العاطفة الهشة المفتقرة للإدلة العلمية والتجريبية ، وما ترويج بعض ماينشر كعلاج للكورونا ٢٠١٩ من باب التصديق والتأييد إلى حد الدفاع عنه في بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي وما يدور في الديوانيات والمجالس لهو خير دليل على أنصار هذا المذهب من الناس بينما الإحصائيات لإعداد المتوفين إلى يومنا هذا بسبب جائحة الكورونا يتجاوز مليونين وسبعمائة ألف إنسان وهذا رقم كبير .
والسؤال الذي يطرح نفسه هل أصحاب الخرافة والجهل قدموا مشروعا ناجحا في القضاء أو التخفيف من أثار جائحة الكورونا على الإنسان أم أنهم مازالوا طفيلين على أصحاب العقل والتجربة كما تم الإشارة إليها في نظرية المعرفة ؟
لا أريد أن أزيد في التفصيل فشكخصكم الكريم ذو عقل راجح وعلم مستنير ولله الحمد والشكر وإنما من باب الإطلاع والمؤازرة حرصت أن تصلكم هذه الخاطرة .
لإنني مقتنع وفق المذهبين أن أصحاب كل مذهب لم يكن معهم العلم بالفطرة كما يدعي بعض علماء المذهب التجريبي ، والدليل على ذلك أن الكثير من الناس تختلف معارفه وقناعاته من سنة إلى إخرى بل من يوم إلى يوم ينتقل من نادي معرفي إلى آخر وفق عوامل بيئية ووراثية وأخلاقية ومعرفية مستجدة .
عفانا الله جميعا من جائحة الكورونا ٢٠١٩ ومن كل مكروه والدعاء موصول إلى جميع أخواتنا وأخواننا من بني الإنسان على هذه المعمورة مهما كان مذهبه المعرفي فهو معزز مكرم مادام الناس في مأمن منه تمشيا مع ( اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى