كتاب (ذكرى آية الله السيد محمدعلي العلي- سيد الشعائر)

img
علي الوباري
0 الوسوم:, ,

علي الوباري

الإنسان هو علامة المكان والزمان وهو من يبرز معالم المواقع، فيقيم المناسبات ويرسم هوية الأماكن، الكتابة عن الشخصية الفاعلة وصانعة الحدث هي قراءة مجتمع كامل بكل أحداثه وقضاياه. وكلما تميزت الشخصية بأفعالها تركت آثارها بالمجتمع، وساهمت في تكوين هويته. بل تغير أحياناً ثقافته، وتعيد صياغة هويته. هكذا هم القادة الذين تركوا تعاليمهم وأفكارهم تحيي المجتمع وتلهب مشاعره، ولكن بعض الشخصيات الفاعلة صور متكررة في مرآة ما قبلها وبعضهم يغير بشكل طفيف.
في المجتمع الأحسائي المحافظ من الصعب التغيير الجذري، ليس لأنه غير قابل للتغيير، بل ربما لأن المجتمع اقتنع بهويته ويرى ثقافته هي المؤثرة لما تمتلكه من قيم وموروثات اجتماعية وتاريخية، فيعتقد بأنه ماركة مسجلة بتاريخه وثقافته. ومن الذين شكلوا هوية المجتمع الأحسائي العلماء والشيوخ وطلبة العلوم الدينية.
طلاب العلوم الدينية ليس بالضرورة يحكم عليه قائد ديني واجتماعي من يحدثوا تغييراً بالمجتمع، ولكن المحافظة على ثوابت المجتمع وصيانة معتقداته وهويته الدينية في ظل متغيرات تعليمية وثقافية وفكرية تنقلها وسائل الإعلام والوسائط التقنية هي قيادة رشيدة.

في كتاب المهندس عبدالله البحراني (في ذكرى آية الله السيد محمد علي العلي-سيد الشعائر) من جزأين فيه جهد كبير وتنوع مصادر بين أشخاص وكتب ودراسات وصحف عربية، وذكر بمقدمة الكتاب أن أحد دوافعه للكتابة عن السيد محمد علي الوفود التي جاءت في جنازته، وحب الناس لهذا الترابي المتواضع.
المهندس عبدالله على الرغم من اختصاصه الهندسي، ولكن حبه للتراث والموروث الاجتماعي الأحسائي جعله يتجه بعد تقاعده للكتابة، وربما قبل ذلك ولكنه تفرغ لكتابة ما يحبه ويهواه، وهو من القلائل الذين استثمروا أوقاتهم في منفعة المجتمع. وسعى لتطوير هوايته بالقراءة وبالبحث والتأليف والتوثيق. وإلى الآن قام بتأليف ثلاثة كتب، وقدم بعض المحاضرات عن تاريخ المبرز في بعض جوانبها التاريخية.
كتاب ذكرى آية الله محمد علي العلي للبحراني استخدم فيه البحث العلمي المفيد بذكر مقدمة ونبذة عن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والعلمي بالأحساء والظروف المختلفة التي عانى فيها الآباء والأجداد. إن هذه المقدمة والوصف الموجز أعطت انطباعاً عن جهود مميزة للمؤلف، وباستطاعة القارئ بين عصر متسم بالرفاهية وبين زمن عاشوه مم الأوائل ظروفاً صعبة يتميز طالب العلوم الدينية بتغلبه على الظروف المعيشية المزرية من أجل التحصيل العلمي، وهذا ينطبق على سيد الشعائر آية الله السيد محمد علي العلي الذي ورث العلم الديني عن آبائه وأجداده، وعاش زمناً صعباً بظروفه الاقتصادية والاجتماعية والصحية.
آية الله السيد محمد علي العلي -رحمه الله- من الشخصيات الدينية المعاصرة التي عاصرت أجيالاً، عاش في زمن الفقر والحياة الصعبة وعاش زمن الطفرة الاقتصادية والتقدم التكنولوجي. شاهد أجيالاً مختلفة، ومر بظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية متفاوتة أكسبته تجارب حياتية، فاستطاع قراءة الواقع ومقارنته خصوصاً أنه عاش حوالى ثلاثين عاماً بالنجف الأشرف بالعراق التي سبقتنا بظهور تيارات فكرية وصراع ثقافي كان شاهداً عليها.
من يقرأ سير علماء الدين في مجتمع متدين ومحافظ بعاداته وتقاليده ولا سيما أن الحوزويين غالباً ما يتشابهون في مسيراتهم العلمية وعطاءاتهم الدينية وخدماتهم الاجتماعية، فمحطات حياتهم التميز بالدرس الحوزوي، والدعوة والإرشاد، والإصلاح الاجتماعي، ولا نقول هذا من باب التقليل، ولكن هذا من باب التوصيف.
ولكن السيد مع الأدوار التقليدية قام بأدوار مميزة، مثل: التعاون مع مؤسسات المجتمع الحديث واقتراحه وإصراره على إعادة فتح الحوزة عام ١٣٩٧هـ واهتمامه بالشعائر وكل ما يتعلق بذكرى الأئمة المعصومين عليهم السلام، لفت نظري بالكتاب بعض المحطات المضيئة في شخصية السيد محمد العلي، ومنها جعل الشعائر الحسينية منطلقاً للعمل الخيري صفحة ١٣٣ “استطاع أن يربط المجتمع بالعمل الخيري عبر الشعائر وبأهل البيت”،وتشجيع الشباب لخدمة الناس والمجتمع وجعل من المناسبات الدينية أماكن للتعارف وتغيير تدين الشباب إلى مفهوم متحرك ميداني فيخدموا المجتمع في مجالات عديدة تعليمية واقتصادية واجتماعية، وقام بنفسه بدعم جمعية البر فرع الشعبة معنوياً وبجمع التبرعات وحث رجال الأعمال على الدعم المالي.
الوقفة الثانية من الكتاب أولوياته في المحافظة على الشعائر، واحتواء المجتمع وخصوصاً الشباب الذين عصفت بهم بعض الأحداث وتأثروا بقضايا الاجتهاد والتقليد وأزمة الأعلمية، فالسيد كان العالم الديني والقائد الاجتماعي الذي يؤمن بأن السلم الاجتماعي هدف بذاته لاستقرار المجتمع واستمرار المآتم والمحافظة على تلاحم المجتمع ليبقى منسجماً وسط تهديدات وهجمات عقائدية، فالعمل بالأولى والترجيح بين ما هو مهم وأهم هي من سمات القائد الناجح.
كذلك عجبني ما ذكره المهندس عبدالله بكتابه بصفحة ١٣٩ “القدرة على الفصل بين الملفات”، حيث يستطيع العمل مع أكثر من ملف ومع أكثر من أعضاء فريق”، دون شك تعدد الملفات يعني تعدد مواضيع وقضايا وأفراد مختلفين في مستوياتهم العمرية والتعليمية والثقافية، وهذه تذكر للسيد محمد علي العلي في صفة التوفيق والعمل بين عدة ملفات، ومرونته بالعمل مع شخصيات متنوعة بصدر رحب.
من ضمن مبادراته المتنوعة إقامة ورعاية الاحتفال بميلاد الأئمة المعصومين عليهم السلام في عدة مدن وبلدات بالأحساء، ومشاركته في المناسبات الدينية والاجتماعية.
جمع آية الله السيد محمد علي العلي بين المساهمات الدينية والثقافية والإصلاح الاجتماعي والاهتمام بالكتابة والتأليف منها (هذه فاطمة الزهراء) في مجلدين (البكاء على الحسين) و(الأربعين ) ديوان شعر، ومن أهم مؤلفاته (في طريق الاستنباط) وهذه محطة مميزة في مسيرة السيد محمد علي العلي لأن الكتابة والتأليف عند الشيوخ والعلماء الذين سبقوه وبعمره بالأحساء قليلة.


ذكر المؤلف في صفحة ١٧٥ بعض صور تواضعه الجم، ومبادراته بزيارة الآخر المختلف معه حتى لو كان أصغر منه سناً، وهذا يدل على التصالح مع الذات وانعكاسه على سلوكه في المجتمع مما أكسبه حب الناس.
ذكر المؤلف بعض شهادات شيوخ وناشطين في حق السيد بصفحة ٢٥٥، ومن بعض ماذكروه أن السيد محمد علي العلي متواضع ومحبوب ومشارك في القضايا الاجتماعية، مقبول من الجميع، وكلمته مسموعة ومحترمة، ويحب التطوير وللتجديد.

حماسه لنشر وتعميم الشعائر الحسينية وجعلها تنطلق من الأطفال والشباب لأنهم يمثلون القاعدة القوية لترسيخها في الأذهان، يذكر أحد المعاصرين له أنه يقوم بدور الشاعر والمشرف والمرشد والمعلم والرادود والناعي، استحق كما ذكر الشيخ حيدر الدوخي لقب ” سيد الشعائر”.

نقاط حول الكتاب الكتاب من جزأين:
اهتممت بقراءة الجزء الأول لتغطيته سيرة آية الله السيد محمد علي العلي والاطلاع على الجزء الثاني،
وهو مقسم ومعنون بشكل مريح للقراءة، فكل موضوع لا يزيد عن ثلاث صفحات.

سرد عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والعلمية بالأحساء:

ذكر علماء وشيوخ أحسائيين لهم أدوارهم وآنشطتهم
وذكر أحداث ومناسبات دعمت الكتاب تاريخياً،
وخصص قسم عن تأسيس الحوزة وتوقفها وانبعاثها وتطويرها،
وتضمن الكتاب بعض الشعائر التي تقام وقام السيد برعايتها وزيادة تنظيمها،
وتتعدد مصادر الكتاب،
وربط محتوى الكتاب بأحداث مهمة تأثرت بها الحوزة العلمية.
وتضمن الكتاب بعض شعره، واحتوى الكتاب شخصيات مميزة تشهد في جهود السيد محمد علي ومساهماته المتعددة.

اترك رداً